جاء الموسم المسرحي خلال عيد الفطر السعيد في الإمارات هذا العام زاخرا بالأعمال المسرحية الاجتماعية عموما والاجتماعية الكوميدية منها على وجه الخصوص، فقد شهدت خشبة مسرح المدرسة الهندية في دبي طوال مساءات هذه المناسبة عرض مسرحية ( زلقة زلقة) تأليف حسن رجب وإعداد اسماعيل عبد الله استنادا لمسرحية «حرم معالي الوزير» للكاتب التشيكي برونسلاف نوتشه، وانتاج حسين بن حيدر وأداء مجموعة كبيرة من نجوم الكوميديا من الإمارات والبحرين والكويت ومن بينهم خالد العجيري ومروان عبد الله صالح وشيماء سبت وشيلاء سبت وعلي الغرير وخليل الرميسي وحسن يوسف وصوغة وعذاري وإبراهيم المشرخ وعادل خميس، أما كلمات الأغاني التي تتضمنها المسرحية وأضفت عليها طباعا استعراضيا يتناسب ومناسبة العيد فهي من تأليف عبد الله صالح وألحان خالد ناصر.

 

قصة أسرة

في الظاهر، تروي الحكاية قصة أسرة ميسورة الحال مكونة من زوج وزوجة وابنهما وبنتهما وزوجها وخال وعمة الأسرة تعيش حياة عادية رتيبة إلى أن يترقى رب الأسرة من مرتبة مدير إلى منصب وزير، فكان من الطبيعي أن تنقلب حياة أفرادها رأسا على عقب ولا سيما الزوجة( شيماء سبت)، التي تصل بها الخيلاء إلى الاعتقاد بأنها هي من احتل هذا المنصب الرفيع في الحكومة وليس زوجها، فتتنكر لحياتها وعاداتها القديمة وحتى أقاربها ومعارفها بما فيهم زوج ابنتها الذي تحاول استبداله بزوج آخر ثري، لكن سرعان ما يلقي هذا الاستغلال البشع للمنصب بظلال قاتمة على موقع الزوج في منصبه الجديد، فيقال منه وتعود الأسرة إلى حياتها السابقة المعتادة.

أما من ناحية المضمون،فإن الحكاية تقوم على مقولة واحدة رغم كل التفرعات والمواقف الظريفة التي تشتق منها وتعرض بطريقة موفقة على الخشبة. وهذه المقولة تختزل عموما في المثل القائل( ما من طائر علا وارتفع إلا وعلى الأرض وقع)، لكنها تقدم كذلك درسا اجتماعيا لطالما شهدناه في صيرورة الواقع الاجتماعي، ويتلخص بأن الناس يلتفون حول شخص ما عندما يتمتع بالجاه أو المال أو السلطة أو كلها معا ويتحلقون حوله ويكيلون له المديح في مناسبة وفي غير مناسبة، لكنهم سرعان ما ينفضون من حوله ويهملونه في حال خسر مصادر النفوذ هذه.

وبذلك تكون الحكاية قد دخلت في محاولة لمعالجة بعض مكامن الفساد الاجتماعي والحكومي، بيد أن ذلك لا يعني أنها تغرق حتى النهاية في هذه المقولة، بل إنها تلامسها بطريقة ذكية ومحببة لا تثقل تفكير المتلقي بجرعة عالية من جدية الطرح وذلك من خلال الاسكيتشات والأغاني والنكات والطرائف والمفارقات التي شكلت سمة رئيسية أخرى للعمل وذلك بفضل روح الفكاهة التي يتمتع بها الممثلون.

من الناحية التقنية، تنقسم ( زلقة زلقة) إلى فصلين امتد كل منهما قرابة 90 دقيقة وتخللهما استراحة امتدت لعشرين دقيقة، لكن مكونات خشبة المسرح ولا سيما الديكور منها لم تتبدل في الفصلين مع دخول شخصيات جديدة على الفصل الثاني، الذي بلغت الحكاية فيه ذروتها عندما علمت حرم سعادة الوزير باقالة زوجها من منصبه، أما مكونات الديكور نفسه فتعتمد على أثاث صالون حديث نوعا ما في منزل تقطنه عائلة ميسورة الحال في المجتمع الخليجي، في حين جاءت عناصر أخرى مكونة للفرجة المسرحية مثل الإضاءة والسينوغرافيا والمؤثرات السمعية والمرئية الأخرى لتكمل المشهد وتخدم عليه.

 

تواصل

أما الشخصيات فكانت كل منها في مكانها وهيئتها الطبيعيين بحيث بدت منسجمة مع الأدوار الموكلة إليها إن لم نقل أن الكثير من المواقف التي ارتجلتها تلك الشخصيات قد أضفت على العرض نكهة خاصة كان واضحا أن الجمهور قد أحبها وذلك من خلال التواصل الذي لم ينقطع بين القاعة الخشبة طوال فترة العرض.

يبقى القول إنه في حين شكلت خشبة المسرح منصة راقية للضحك والتسلية والترفيه ومعالجة بعض الآفات الاجتماعية وطرح بدائلها في آن، فإن ما قدمت عليها من خلال( زلقة زلقة) يعتبر وجبة اجتماعية خليجية بامتياز، فقد أتى حرص مخرج العمل ومنتجه على الجمع بين هذه الكوكبة الواسعة من النجوم الخليجيين أكله عندما أماط العرض اللثام عن الكثير من مواضع وحدة الحال بين مجتمعات دول مجلس التعاون الخليجيي بدءا باللهجة والأمثال الشعبية ومرورا بالعادات المتعلقة بالألبسة والأزياء وليس انتهاء بالموسيقى والأغاني وحتى ثقافة كرة القدم.

كوميديا

تفاصيل و حكايات جانبية

 

حكاية ( زلقة زلقة) بسيطة خالية من أي تعقيد لكنها مشبعة بالتفاصيل والحكايات الجانبية التي أعطتها بعدها الكوميدي الاجتماعي الطريف والتي تضافرت مع حضور لافت لهذه المجموعة من الفنانين على خشبة المسرح الذين تمكنوا من تقديم وجبة كوميدية خفيفة سهلة الهضم دون أن تخلو من التركيز على بعض القيم الاجتماعية المفيدة، التي راح الناس يخلفونها وراء ظهورهم في زحمة الحياة المعاصرة.