اكتشف الفيلسوف جون ستيوارت ميل في عام 1834 أنه على الرغم من أنه وقع عقداً مع أحد الناشرين لكتابة التاريخ العام للثورة الفرنسية، إلا أنه في الواقع كان مشغولاً للغاية بالتزامات أخرى تحول دون الوفاء بوعده لإتمام كتابة تاريخ الثورة الفرنسية. وتقول مجلة (هوريشيا) الثقافية المتخصصة، في تقرير حديث لها، إن ميل اقترح على صديقه المؤرخ الاسكتلندي توماس كارليل أن يتولى مهمة كتابة تاريخ الثورة بدلاً منه. تحمس كارليل، الذي كان يكافح من أجل تغطية نفقاته وتنويع مصادر رزقه دون الاعتماد على الصحافة فقط، للبدء في هذا المشروع، حيث راوده الأمل في أن يكون هذا العمل بمثابة انطلاقة لشهرته الأدبية.
وطوال عام 1834، انكب كارليل على كتابة تاريخ الثورة الفرنسية بشغف حتى ساعات متأخرة من الليل. وعندما أكمل المجلد الأول من التاريخ، قام بإرساله إلى ميل لاستعراضه. وفي مساء يوم السادس من شهر مارس عام 1835، قام ميل بزيارة إلى كارليل في منزله بمنطقة (تشاين ووك) ، حيث كانت تبدو على وجه ميل (الملامح نفسها من اليأس)، على حد وصف كارليل. فقد ترك ميل المخطوطة في منزل صديقته، السيدة تايلور، والتي كانت لديها خادمة لا تستطيع القراءة، قامت باستخدام المخطوطة لإشعال النار. فكان كل ما تبقى من الشغف و الحماسة التي كتب بهما كارليل المجلد عبارة عن بضع أوراق متفحمة، جلبها ميل معه من باب التأكيد.
وتقول (هوريشيا) إنه في حين أن معظمنا ربما يواجه هذا الظرف بمشاعر هستيرية وانتقامية، إلا أن كارليل أثبت أنه نموذجاً في دماثة الخلق، في الوقت الذي استبدت بميل حالة من الحزن وتأنيب الضمير. فما كان من ميل إلا أن قدم له كوبا من الشاي، وعرض عليه تعويضه مادياً عن الضرر، لكن كارليل رفض قائلاً إنه ببساطة يمكنه أن يبدأ مرة أخرى في كتابة المجلد. وما إن غادر ميل منزل كارليل، حتى قال الأخير لزوجته جين: (المسكين ميل إنه محطم للغاية.
علينا أن نظهر له كم هي فداحة الكارثة بالنسبة لنا). لقد كان كارليل جاداً في كلماته، ذلك أن أسرته لا تملك المال لإعادة انتاج العمل من جديد، وكان يعلم أنه لم يكن باستطاعته كتابة المجلد مجدداً. فقد تخلص كارليل من مذكراته ولم يكن يتذكّر ما كتبه، حيث قال: (أتذكر ولا يزال بإمكاني التذكر أقل القليل منها عن أي شئ آخر كتبته بمثل هذا العناء. فقد رحلت). وكان يتعين على كارليل أن يخبر ميل أنه لم يكن باستطاعته مواصلة الكتابة.
وأوضحت مجلة (هوريشيا) في تقريرها أنه في تلك الليلة رأى كارليل والده وشقيقه المتوفيين في المنام يتوسلان إليه عدم التخلي عن كتابة المجلد. وفي صباح اليوم التالي، أخبر كارليل صديقه ميل بأنه سوف يأخذ المال، حيث استعان به في شراء الورق اللازم للكتابة. وواصل الكتابة مستعيناً بذاكرته، حيث بدأ بالمجلدين الثاني والثالث، ثم أعاد كتابة المجلد الأول الذي كان قد احترق. وتسرد هذه المجلدات الثلاثة تاريخ الثورة الفرنسية بين عامي 1789 و 1795، بعد استكمال كتابتها ونشرها في عام 1837.
