صدر كتاب هربرت ماسون (ملحمة جلجامش) بترجمة عربيّة عن دار (شرق غرب)، بترجمة الشاعر العراقي سهيل نجم. ما نقرأه بالعربيّة نصّ أنجزه هربرت ماسون بغرض تأويل الملحمة، بأسلوب لم يؤذِ الأصل...
فهو يصفها بالقصّة الشعريّة التي تدور حول أسئلة مركزيّة مثل الموت والفناء والخلود، وتدفع قارئها إلى تلقيها بفهم جديد كلّ مرة. عاد المؤلّف إلى مراجع كثيرة، لإنجاز ما سمّاه (القصيدة الحية). يبدأ بسرد تفاصيل الملحمة، من الحديث عن جلجامش، وكيف كان ملكاً لأوروك، مروراً بقصّته مع صديقه أنكيدو، حتّى قتله الوحش خمبابا.
يذهب ماسون إلى اعتبار أنّ المشاعر القوية في الملحمة، هي التي ثبتت مكانتها في عالم الأدب، لتصبح منجماً لأعمال أحدث عهداً، مثل بعض قصص الكتاب المقدس، أو تلك التي أوردها صاحب (الألياذة) هوميروس. وفي النهاية، يجعل ماسون من الملحمة جزءاً من سيرته الذاتية، ويسرّ إلينا بأنّه اكتشفها لأوّل مرّة عام 1954، (عندما كان طالباً في هارفارد، وكيف أنّ رؤيته لها تأثّرت بالتراث الإنجليزي عن الطبيعة والتراجيديا والعاطفة).
الجديد الذي قدمه هربرت ماسون هو كتابته للملحمة شعراً حراً، لقد عمد في تدوين حكايته الملحمية إلى بث نفحات ذاتية تأملية من ذائقته الفنية وتجربته الشعورية الخاصة التي تتماشى مع روح الملحمة منطلِقاً من صميم علاقته الخاصة مع الكلمة والفكر والحياة.
وهو يحلق في فضاءات الملحمة، معترفاً بأنها الملهمة والمستفزة لخياله وإبداعه بحيث تداخلت حياته في حياة أبطال هذه الملحمة.
وهو يعطيها نفحة معاصرة تصلح لأن تقرأها الأجيال الانجليزية المتعاقبة بحس الحاضر.
لقد حاول المؤلف أن يتخلص من قيود الترجمة التي قد تفرض ثقلها على نص شعري قديم، واستعان بأهم محاورها لتدعم النص الذي كتبه.
ويجد المؤلف الفكرة الفلسفية العميقة في هذا النص: من خلال المقطع الأول في الملحمة: هو الذي رأى كل شيء فغنّي بذكره يا بلادي/ وهو الذي رأى جميع الأشياء وأفاد من عبرها/ وهو الحكيم العارف بكل شيء/ لقد أبصر الأسرار وكشف عن الخفايا المكتومة/ وجاء بأنباء ما قبل الطوفان/ لقد سلك طرقاً بعيدة متقلباً ما بين التعب والراحة/ فنقش في نصب من الحجر كل ما عاناه وخبره/.
إلا أن الكاتب وخارج تصرفه الشكلي بالنصوص الشعرية، دوّن الجانب السردي بتصرف أوسع، وكتبه بلغة اليوم، وكأنه شاهد بنفسه أحداث الملحمة تجري الآن، متمسكاً بمضامينها وسياقاتها.
في الفصل الأخير يلخص محنة جلجامش وخيبة مسعاه وعدم يأسه في آن. لقد حصل على نبتة الخلود من أوتنابشتم الذي اختبره بأن ينام ستة أيام كاملة من دون أن يحرك ساكناً، وذلك بعد مخاضات ومغامرات عسيرة ومميتة شهدتها رحلته الجريئة، فقد خلالها صديقه أنكيدو.
وقد طلب أوتنابشتم إلى أورشنابي أن يقود سفينة تحمل جلجامش إلى أرضه الأولى.
وكان جلجامش، وهو يحمل معه نبتة الخلود، يقول لرفيق عودته وهو ممتلئ بالغبطة والزهو: (إن هذه النبتة تطيل عمر الإنسان وتعيد إليه عنفوان الشباب.. سأحملها يا أورشنابي مفاخراً بها أبناء شعبي فأجدد لهم نضارة أيامهم وأعيد إليهم نكهة الحياة.. وحين أشيخ بدوري سأتناول منها لأستعيد شبابي ومجدي).
هربرت ماسون يجعل من الملحمة قصة سردية وإلهاماً شعرياً، فهو النص المكتوب نثراً، ولكن يمكن أن يُقرأ شعراً.

