تمر الذكرى الثانية على رحيل الشاعر الدمشقي الصعلوك (1928ـ 2009)، الذي هجرها بمجرد أن أضجرته بعد غياب رفاقه، ليقيم في اللاذقية في زقاق ضيق بعيد عن صخب المدينة، حيث تميز الشاعر بابتعاده عن ضوضاء المحافل والمنتديات والمهرجانات حتى إن أشعاره زارت أغلب البلدان العربية قبل أن يزورها هو، كما أقيمت جلسات تناقش دواوينه دون أن يحضرها، ما جعله بعيداً عن الأضواء والإعلام ومنكفئاً على الكتابة وتخليص النفس من أثقالها عن طريق الإبداع.

أيقونة الروح

رحل علي الجندي تاركاً خلفه إرثاً من الأوراق التي كلما أمعن القارئ فيها اكتشف مزيداً من المعاني والرسائل والقيم التي عمل الراحل على تكريسها وتقديمها ليكون من خلالها قامة شعرية أدبية تركت بصمة لا تمحوها وطأة الأيام وتراكم الكتب، حيث أصدر اثنتي عشرة مجموعة شعرية كانت مفتاحاً لطريق جديد من الشعر ببعده الوجداني الكوني وكان لغيابه عن الوسط الثقافي هزة كبيرة، وخاصة أنه شاعر ربطته علاقات وصلات إنسانية وفكرية مع كبار الشعراء، كما كان الشعر أيقونة روحه والمجال الأوسع الذي يعبر عن ذاته أكثر من كل المجالات الثقافية والفكرية التي خاض فيها من الصحافة إلى الترجمة فكانت دواوينه المتتالية، تعبيراً حقيقياً عن ذلك.

من مدينة سلمية التي ولد فيها عام 1928 انطلق الشاعر بعدة الأمل والإبداع إلى دمشق، حيث درس الفلسفة وعمل في مجال الصحافة والترجمة عن اللغة الفرنسية، كما عمل في حقل الصحافة الثقافية ما بين دمشق وبيروت. واشتغل أيضاً مديراً عاماً للدعاية والأنباء - في دمشق، ثم أسهم بشكل أساسي في تأسيس اتحاد الكتاب العرب 1969. ولعل كلمة الشاعر السوري شوقي بغدادي في رحيله خير توصيف له، فقد كتب بغدادي مقالاً بعنوان «من سيرثيني بعدك»: (أتذكره الآن بكامل أوصافه، زميلاً في كلية الآداب في جامعة دمشق، شاباً وسيماً أنيقاً ساخراً ضاحكاً باستمرار. أتذكره الآن محاطاً بزميلاته المفتونات به. أتذكره الآن وقد غدا موظفاً في دولة «البعث» الجديدة، مديراً للدعاية والأنباء (وهي وظيفة مثل وزارة الإعلام الآن) وقد اجتمعنا في مكتبه لتأسيس اتحاد الكتاب العرب. أتذكره الآن بالسهرات العامرة، كيف كان يسيطر على الجلسة بمنادمته الحلوة والمثيرة دائماً. أتذكره الآن أكثر من أي وقت مضى، لا لشيء، إلا لأن علي الجندي يعلن الآن بموته انقراض جيل كامل من المبدعين والملهمين المجددين).