خصص اتحاد كتاب وأدباء الإمارات أولى أمسياته الرمضانية، للحديث عن الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، بمناسبة مرور ثلاث سنين على رحيله. وذلك في مقره في أبوظبي، بحضور الأديب حارب الظاهري رئيس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات فرع أبوظبي، وعدد من المثقفين والإعلاميين. أدار الأمسية الزميل الشاعر عبدالله أبوبكر، الذي أشار إلى أن درويش شاعر طوى بكفيه الجغرافيا، ليعدو أبعد من حدود الوطن، فلم يرد له أن يكون مساحة ترابية ممتدة من هنا حتى هناك.

 

تفعيلة الرحيل

قال الروائي والشاعر أنور الخطيب في مستهل الأمسية: "في التاسع من هذا الشهر ودعتنا ولم نودعك، صرخت بكل ما أوتيت من تفعيلة الرحيل، لوحت بكل مناديل قصائدك، وظننت أنك تتبع صوتك وحدك. وأضاف مشيرا إلى أهمية تجربة درويش الشعرية وصداها بين الناس: قبل رحيلك كنا مطمئنين للغة، وبعد رحيلك نحن معجونون باللغة، يكفي أن يقال محمود هنا، حتى يزهر القلب وردتين، وردة للبهاء في عينيك، ووردة للنار في حرفيك، ويكفي أن يقرأ الشاعر "ورد أقل"، كي يتكاثر الشعر في كفيه، ويكفي أن يسمع الغرباء "عابرون في كلام عابر" كي يكتبوا نهاياتهم على يديك، ويكفي أن تقول "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" كي يضرب طفل مجنزرة بدمه، ويضرب ألف تحية لمضجعك.

 واسترسل الخطيب مستشهدا بعناوين قصائد درويش: ما زلت أيها الطاعن في الشعر تؤتى المعجزات، تلقي "خطبة الهندي الأحمر"، تعلمنا "درسا من كوماساطرا"، وترسم "الياسمين على ليل تموز"، وتحمل "في يدك غيمة" وتقول: "سبع سنابل تكفي لمائدة الصيف، ولا أريد من الأَرض أكثر من هذه الأَرض". أما رحيله فله إيقاع آخر قال عنه الخطيب: حر أنت الآن يا صديق المنافي، لكنك تركتنا مكبلين بوهجك، زرعت صوتك فينا، قتلتنا فيك، فهل سحرتنا؟ كتبت لنا حجابا على جداريتك؟ وبقينا بعدك، نفعل "ما يفعل العاطلون عن العمل: نربي الأمل".

 

شاعر الذاكرة

الروائي زياد محافظة قال موجها كلامه لدرويش الراحل الحاضر أبدا: لم يصغ لك الموت، لم يحقق لك آخر الرغبات وأبسطها، لم يمهل روحك لتبتل بماء النهر، أو تسرق قبل صعودها الأبدي. وأضاف واصفا تجربة درويش: في قصائدك الماثلة أمامنا كسنديان لا يتوقف عن النمو ، تجريد للكلمة من حالة العظمة والإبهار، واقترابٌ من بوح البسطاء ووجعهم، في حروفك لون البنفسج حين ينام مطمئنا على خد عاشقة ملت الانتظار، كنت شاعر الجميع دون استثناء، شاعر الذاكرة التي قدر لها ألا تشيخ أبدا، لم تزاحم أحدا على الحرية أو الثورة أو المنبر.

فدرويش أيقظ شهيتنا للحياة، قدّم لنا الشعر كخبز ساخن. وعن رحيله الأبدي قال محافظة: للموت دوما ذات الرهبة والقدسية، لكنه أحيانا يجافي العتمة ليلبس إكليلا من النور، فأي خاتمة نبيلة وأسطورية لرجل قال ذات يوم "إن ثلاثِين بحرا تصبّ بقلبي". واختتمت الأمسية بقراءة جزء من جدراية محمود درويش ألقاها الشاعر الإماراتي إبراهيم محمد إبراهيم، الذي أكد قائلا: على الرغم من أني لست بشاعر مناسبات لكن القصيدة الوحيدة التي كتبتها بمناسبة هي لمحمود درويش بعد أن صدمت بخبر وفاته.

 

الحاضر دائماً

 

يعتبر الشاعر محمود درويش من ألمع أسماء الشعراء العرب خلال الثلاثين سنة الماضية، حيث أسس لمدرسة شعرية نحت فيها لغة خاصة به، تحولت إلى نموذج للكتابة يستلهمها الشعراء في مقطوعاتهم، حتى تحول إلى رمز للشعر وأنموذجا للشعراء. من دواوينه الشعرية: أثر الفراشة، في حضرة الغياب، كزهر اللوز أو أبعد، لا تعتذر عما فعلت، حالة حصار، جدارية، ودواوين أخرى.