تقوم مؤسسات أدبية بتسليط الضوء على رواية شارل بودلير الفريدة (لفانفارلو) لأسباب متعددة منها: إنها نص نثري، من بين أعماله الشعرية، وقصة طويلة أقرب إلى الرواية ظهرت في عام 1847، وهي اللحظة التي اختارها الشاعر لكتابة هذا النص إلا أن الشاعر وبعد أن نشر أعماله الشعرية الأساسية، أهمل هذا النص ولم يعره الانتباه، بل ولم يذكره سوى ثلاث مرات في مراسلاته، ومن ثم نساه كلياً بعد عام 1957 ولم يسجله في قائمة أعماله في أواخر أيام حياته.
والسؤال الذي طرحه النقاد بقوة: لماذا أهمل الشاعر هذا النص بعد عام 1957؟
هل كان ثمة ما يعيق كتابة الشعر آنذاك بحيث انتقل إلى النثر؟ ولماذا كتب بودلير هذا النص في عام 1847 وهو يطرح نفسه كشاعر؟
كان بودلير في حقيقة الأمر، متردداً بين الشعر والنثر. يبدأ بودلير روايته برسم شخصية بطله صموئيل كريمر الذي يغيّر أسمه أحياناً إلى مانيولا دي مونتفيرد. وهو نوع من البحث عن الأنا، والملكية. وهنا نتعرف إلى هوية الكاتب والصورة التي يريد إعطاءها لنفسه. كما لا يعرف لماذا منحها اسماً أنثوياً: مانيويلا مونتفيردي.
وهو السؤال الذي يتحتم طرحه: هل أنا رجل أم امرأة؟ وتطرح الشخصية تساؤلاً حول خصوبة المرأة التي تمنح الحياة، ويتوصل إلى قناعة أن المبدع هو امرأة في نهاية المطاف مادام يمنح الإبداع والأعمال الأدبية العظيمة. فالكاتب يختار عنصراً نسائياً لروايته، وهو يرفض هذا العنصر في الوقت نفسه. وطالما يبدع فهو كالمرأة، لكن بطل القصة يعتبر (الولادة ثمرة من خطيئة الحب، والحمل مثل مرض العنكبوت).
ومن هنا، يعاني بطل الرواية أزمة هويته الجنسية. يؤكد البطل أنه مثل بقية الأشخاص الآخرين، يسعى إلى فهم قانون هذا التحول أو هذا المسخ. إن فكرة الأنا المتحولة أو القابلة للتحويل وتقليد الآخرين هيمنت على بودلير حتى نهاية حياته.
صموئيل كريمير، بطل الرواية يشبّه نفسه بكبار الشخصيات، وبالآلهة التي تسحره، وهو يحلم بـ(الجنائن المصطنعة) كأي فقير بلجيكي (كان البلجيكيون فقراء مقارنة بالفرنسيين).
أراد بودلير في رواية (لفانفارلو) أن يتخلص من جزء من ذاته وشخصيته التي تمثلها شخصية كريمير. هناك تناقضات وإسقاطات كثيرة على شخصية البطل، إلا أن السرد النثري كان يسمح لبودلير على عكس الشعر، بأن يتحدث عن تلك التناقضات بوضوح لا تسمح به القصيدة. والشخصية الثانية في الرواية هي مدام دي كوسميلي، التي تطرح الأسئلة على صموئيل كريمر (لماذا يفضل الرجال الزهرة التي شمّها جميع الرجال، تلك التي حافظت على جميع من مروا بها في الممرات المظلمة الداكنة لحديقة الزواج؟
لماذا يمتلكن النساء المعتزات والمتفاخرات بأجسادهن أكثر المعجبين، بينما نحن التعيسات، ضحايا الحب الواحد؟). لكن البطل (الثرثار) يؤجل الإجابة عن هذا السؤال، ويقف صامتاً. وفجأة تتحول مدام دي كوسميلي إلى امرأة غير مرغوب فيها! ومن ثم يصرخ البطل كما لو كان طفلاً مدللاً يريد نساء أخريات، وخاصة من طبقة الممثلات كالممثلة كولومبين التي يراها على أحد المسارح التي تجذبه في أدوارها المسرحية.
ويطرح السؤال السرمدي: من نرغب؟
نرى بطل بودلير، كفنان يلاحق امرأة برجوازية وامرأة فنانة بنفس المستوى. هناك تصادم بين الرغبتين. لم تكن مدام دي كوسميلي شغوفة بالأعمال الأدبية التي كان صموئيل كريمير سجيناً لها، بينما تكون الشخصيات الأخرى وهمية.
وقد وضع بودلير مدام دي كوسميلي في تناقض مع الفن لنزعتها البرجوازية، من أجل أن يخلق عالماً من التناقضات بين الشخصيات لكنه لا يركز على تصالح الزوجين، لأن ذلك يتطلب موهبة روائية.
في نهاية المطاف، يسخر بودلير من بطله الذي يتهاوى أمام السيدة البرجوازية، لينجب من لفانفارلو توأمين، ويعود إلى الحياة العادية بعيداً عن هلوسته الجنونية. ويبقى شاعر (أزهار الشر) عبارة عن شخصية مزدوجة، مع بطله، يمثلان التوأم.
