بعيداً عن النظرة الاستشراقية السائدة عن جنون السهر البيروتي، التقطت عدسة المصوّر الصحافي الإيطالي الشاب جوليو ريموندي (1984) مناخات الوحدة والحميمية المشوبة بذاكرة الحرب، والتي يحاول اللبنانيون طمسها في صخب النهار، وقام بجمع الصور المغرقة في السواد، والتي تظّللها أبيات من شعر المخرج السينمائي اللبناني كريستيان غازي، في معرض "ليل بيروت"، الذي يحتضنه فضاء غاليري "نائلة كتانة كونيغ" في منطقة الحمراء البيروتة حتى 12 من الشهر الجاري.

وتتميز الصور التي يقدمها المعرض بأنها كلها صور بالأسود والأبيض، تحاكي ليل المهمّشين الذين تتناساهم المدينة خلال النهار، بدءاً من صورة ولد مَنْسي يستريح على درج، وإلى جانبه ورود عجز عن بيعها مع تقدّم المساء، وصورة أخرى لمتشرّد نائم تحت أحد الجسور، ومروراً بـ"عروس" مدينة الملاهي العملاقة، شاخصة إلى السماء في رجاء مبهم المعنى، ووصولاً إلى صورة عامل في مشغل خياطة، كل حياته رهن بخرم إبرة.

لوثة الأدب

المصوّر الإيطالي جوليو ريموندي الآتي من خلفية صحافية، تتضح في صوره أنه مسكون بلوثة الأدب أيضاً، فهو خريج تاريخ الفن والأدب، اختار منذ البداية أن يكون «فناناً وثائقياً»، يجوب العالم ويتلمّس أسراره من خلال عدسة الكاميرا، وقد سحرته بيروت حين زارها عام 2007.

كما أثرت فيه صداقاته مع عدد من الكتاب وقراءاته لنصوص محمود درويش وإلياس خوري التي شكلت مدخلًا، ومفتاحاً لعلاقته بالمدينة، ثم بالسينمائي والشاعر كريستيان غازي، الذي أثمرت علاقته به هذا المعرض وكتاباً مشتركاً يحمل صور جوليو وشعر غازي بعنوان «ليل بيروت».

ويرصد المصوّر مظاهر العزلة في مدينة تحمل مظاهر الثقافتين، الشرقية والغربية، لأنه كما يقول يعتبر الصورة توثيقاً وإحساساً وليست تكلفاً تقنياً، لذلك يغوص المصوّر في ليل بيروت، بحثاً عن روحٍ يطردها الصباح، وعن فروقات بين المناطق تندثر مع سقوط الظلام. في الليل، فيتلمّس الذاكرة التي يحاول اللبنانيون طمسها في صخب النهار.