لإحداث نقلة نوعية في طبيعة الطرح الثقافي في المؤسسات المعنية بالثقافة نحتاج إلى كيفية ومنهجية علمية طويلة الأمد وضمن استراتيجية واضحة، كفيلة بتبني أفكار الأفراد في المؤسسات الثقافية، وتحويلها إلى مبادرة ومشاريع مؤهلة لتطبيقها على أرض الواقع. هذه واحدة من الاطروحات التي تناولتها ورشة إعدادية بعنوان (التنمية الثقافية عبر التخطيط للبرامج والمشاريع الثقافية) أقامتها مجموعة مسارح الشارقة لتأهيل موظفيها مؤخرا).

وعبر قراءة جادة للواقع الثقافي المكتظ بالنموذج النظري للأفكار التنموية الثقافية والفنية غير المطبقة، والتي ترجع إلى أسباب عدة يؤكدها الدكتور محمود الماجري مدير المعهد العالي للفن المسرحي في تونس والمشرف على الورشة أنها عمدت على جعل مؤسستنا الثقافية العربية متخبطة بين المنهجية والارتجال, (ما الذي يجعلني أفعل هذا التظاهرة الثقافية وما أهميتها بالنسبة لحاجات المجتمع وما الداعي للدفاع عنها والقيام بها) سؤال لابد من طرحه عند التصدي للدفع بأي نشاط ثقافي.

وهي الاجابة التي عقب بها الماجري حول سؤال تحقيق التنمية الثقافية ومدى ارتباطها بقضية التخطيط والمشاريع الثقافية. مبينا أن مؤسستنا الثقافية العربية تعاني من قلة التخطيط والمنهجية وقيامها في جلها على الارتجال. مرجحا أن سبب ذلك يعود إلى قلة الوعي بأهمية التخطيط للمشاريع الثقافية كأي منتج تفاعلي، وقال في ذلك: " أنا لا أزال أؤمن بأن مؤسستنا الثقافية بعيدة كل البعد عن أهمية التخطيط والمنهجية في مشاريعها الثقافية، بل ولا تزال وليدة في هذا الاتجاه، ويرجع ذلك إلى قلة وعيها بأهميته ".

إشكاليات

وعبر ورقة عمل بعنوان " إشكاليات التنشيط الثقافي في قرية من شمال تونس منزل عبدالرحمن كنموذج " قدمها الماجري خلال الورشة أوضح أن " طرح خصوصيات خطاب التنشيط الثقافي يجنح دائما إلى التعميم والاكتفاء بطرح المسائل في إطار مطلب بحت يضع توفير الإمكانيات المادية والبشرية كأساس لخلق تنشيط ثقافي ثري". ملفتا أن هذه الطريقة أحالته دون فهم أبعاد التنشيط المعتمدة بالدرجة الأولى على تأسيس سياسة ثقافية نوعية تأخذ بعين الاعتبار حاجات الناس واهتماماتهم.

غموض المفهوم

وأكد الماجري أن الشكل التعميمي لهذه الأطروحة يرجع الى سببين وهما: غموض طبيعي في مفهوم التنشيط الثقافي، وارادة ربط التنشيط الثقافي بالعوامل السياسية. مشيرا من خلال ورقة العمل أن غموض مفهوم التنشيط الثقافي مازال كمدلول لغوي أو ميداني غير واضح المعالم علميا ومشيرا الى أن تاريخية المشاريع التنشيطية بدأت من بروز الوعي بضرورية خلق هياكل ومؤسسات تعترف بالظاهرة المستحدثة وهي أوقات الفراغ كونها حاجة طبيعية لدى الأفراد في الميول للراحة والاستمتاع وتحويلها إلى وسيلة للتثقيف.

وفي سياق مفهوم التنشيط الثقافي، يؤكد الماجري أن التعريفات جميعها تتفق على ضرورة خلق علاقة سانحة للأفراد ومن ثم المجتمعات في الخروج من روتين الحياة الضيقة إلى الانفتاح النوعي بخبرات جديدة. وأما في ما يخص الخطر الذي يكمن وراء أي اندماج بين هذا وذاك فإن " الثقافة والسياسة رابطة صعبة حقا ولكنها ضرورية، فمن جهة الرغبة في العدل والنظام ومن جهة أخرى الرغبة في الإبداع والحقيقة". حيث يعتبران القوة في تطور الإنسان وتقدمه.

منهجية وإعداد

قدم الماجري خلال الورشة عرضا لمنهجية إعداد مشروع ثقافي من خلال ست نقاط أساسية وهي تحديد ماهية المشروع ومبرراته وما الداعي لإنجاز هذا المشروع كالبواعث الثقافية والاجتماعية والتربوية والتاريخية والبيئية والاقتصادية له. بالإضافة إلى الدراسة الميدانية للمشروع بهدف المعرفة الجادة بمجال التحركات والنشاطات لشرائج الجمهور المقصود. وتحديد الإمكانيات المادية والكفاءات البشرية المتداخلة سواء كانت محلية أو وطنية أو أجنبية.