تجتاح أمواج من الفرح والسعادة عشاق مسرح هنريك إبسن على امتداد العالم هذه الأيام، حيث يستعد المسرح الوطني البريطاني لتقديم مسرحيته "الإمبراطور والجليلي" التي تعد من أعماله الأولى، وظل حتى اليوم الأخير من حياته يصر على أنها من أهم أعماله المسرحية على الإطلاق برغم أن النقاد في معظمهم لا يوافقون على هذا الاعتقاد، هذا بالإضافة إلى عرض مسرحية "عصبة الشباب" لإبسن أيضا حاليا على مسرح بلايهاوس في نوتنغهام.

وكانت مسرحية"عصبة الشباب" قد قدمت في أول عرض بريطاني احترافي لها في عام 1869، باعتبارها عملا نثريا كوميديا، وقامت مدرسة غيلدهول للموسيقى والدراما بإعادة تقديمها قبل 18 عاما، حيث لعب داميان لويس في شبابه دور البطولة، وفي ذلك العرض تماما كما في العرض الذي يعد الآن فإن المشاهد لا يمكن إلا أن يتوقف طويلا عند الاستكشاف الرائع لما سيقدر له أن يصبح الموضوعات التقليدية في مسرح إبسن.

وبطل إبسن في هذه المسرحية الذي يحمل اسم ستينسغارد، يتسم بالطابع الانتهازي، وهو يعيد إلى الأذهان كثيرا من السياسيين الذين شهدتهم الحياة السياسية في بريطانيا، وهو لا يتردد في إشعال نيران الغضب في إحدى المدن المحلية بهجومه على ذوي الامتيازات، وبتشكيله لما أسماه "عصبة الشباب" المناهضة للرأسمالية، ولكن العناصر المحافظة في المدينة تستقطبه ، وسرعان ما يرشحه الحرس القديم في المدينة لمقعد في البرلمان، غير أن ما يلفت النظر أكثر من غيره في ستينسغارد ليس نزعته الكلبية السياسية، وإنما ازدواجيته العاطفية، ولدى اكتشاف أنه تقدم في وقت واحد لخطبة 3 نساء، ورفض رفضا تاما منهن، فإنه يتحول إلى أضحوكة المدينة.

هذا العرض الجديد يتميز بأنه يوضح بشكل كبير حبكة المسرحية ويلقي الضوء على تعقيدات النظام الانتخابي النرويجي، كما يسمح لنا من دون تعمد للمبالغة بأن نسبر أغوار مسرحية يتم في إطارها التضحية بالمبادئ على مذبح السلطة.

ومن المؤكد أن الجمهور سينفجر من الضحك وهو يسمع شخصية محافظة تشير إلى أن ستينسغارد لا يوزن بالأفكار والقناعات " الأمر الذي يجعل من اليسير عليه أن يكون ليبراليا".

ولكن الأمر الأكثر إثارة للاهتمام في هذه المسرحية هو رؤية إبسن وهو يطرح أفكارا سيقدر له أن يستكشف آفاقها بشكل أكثر اكتمالا في مسرحياته اللاحقة الأكثر عظمة، ذلك أن ستينسغارد ليس إلا الشخصية الأولى في صف ممتد من الشخصيات الزائفة، على الرغم من مظهرها المبهر. وعندما نسمع كنة عمدة البلدة وهي تقول "إنك تجعلني أرتدي ملابس دمية وتتلاعب بي كما تتلاعب بطفل" فإننا جميعا يتردد في سمعنا صدى اعترافات نورا الشخصية الشهيرة عند إبسن.

وعلى الرغم من أن مسرحية "عصبة الشباب" تضغط بشدة على مسرح نوتنغهام الإقليمي الذي تقدم على خشبته، إلا أن هذا العرض من إخراج أندي باريت وإنتاج غايلسكروفت يوظف العناصر غير المحترفة لتجسيد مؤيدي ستينسغارد، والسماح بالحركة المتدفقة بالوصل من خشبة المسرح إلى قاعة العرض، وهناك أيضا أداء متميز من سام كاليس في شخصية بطل الضد، وكذلك فيليب بريزرتون في شخصية العمدة ، وديفيد أكتون في شخصية السياسي المحافظ الذي يكشف أغوار ستينسغارد.

إن هذا العرض الذي قدم كجزء من المهرجان الأوروبي الأول للفنون ينصف مسرحية إبسن، ويذكرنا بأن هذا المبدع العظيم تمتع دوما بموهبة فذة في عالم الكوميديا.