اختار الفنان السوري نصر ورور عنوان (أحد عشر صيفا) لمعرضه الأخير الذي يستضيفه رواق الفنون في الشارقة القديمة هذه الأيام في محاولة منه لاختزال تجربة عمرها الفيزيائي أحد عشر عاما تنقل خلالها الفنان بين عدة مدن وعواصم، انطلاقا من الإمارات فخبر عوالم دمشق وبيروت ودلهي وراح يداعب الخطوط والألوان مستلهما مشاريعه الفنية وأفكار أعماله من الكلمة الشعرية، التي تعد المآل الأول والأخير في تجربته التشكيلية.
لكن الأبعاد الحقيقية لهذه المحطة الفنية بالغة الأهمية في مسيرة ورور لا تقف عند حدود إلقاء نظرة ممتدة على طوال تلك السنوات، أي أنها لا تكتفي بالنظر إلى الوراء، بل إنها تمتد إلى المستقبل أيضا، لا سيما وأنها ستشكل نقطة انطلاق جديدة وانتقالة أخرى من تلك الانتقالات التي يسعى إلى الفنان المسكون بهاجس البحث عن الالهام ومصادره أينما كانت، فكيف سيكون الحال إذا كان من شأن هذه الانتقالة أن تشكل عودة للفنان إلى ملاقاة دمشق وبيروت، حيث ينوي أن يحط رحاله بصورة نهائية بعد سنوات طويلة قضاها في الغربة.
(أحد عشر صيفا)، الذي افتتحه الباحث عبد العزيز المسلم، مدير إدارة التراث بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة في إطار (صيف الفنون) في الشارقة، لا يختزل الأعمال التي أنجزها الفنان أثناء إقامته في الإمارات فحسب، على الرغم من أنه يوحي بذلك في الوهلة الأولى، لكن محاولة بسيطة لقراءة ما بين خطوط الأعمال المعروضة وتلاوينها تشي بما هو أبعد من عدد السنوات المشار إليها، تشي بتجربة قوامها يمتد أفقيا وعاموديا إلى أجناس ابداعية ومعرفية.
حيث تبدو هذه الأعمال الأربعة وعشرين مشبعة بعوالم فلسفية وأدبية تنبئ بها الأسماء التي اختارها الفنان لأعماله، التي تنتمي إلى التعبيرية الجديدة أو الواقعية التعبيرية والمغمسة بشيء من التكعيبية، التي تحيل في لحظات كثيرة إلى تجربة الفنان الإسباني بابلو بيكاسو، مع فارق مكمنه أن تكعيبية الفنان السوري لها ملمح المكان والهوية المحليين.
لكن الفنان يشتغل في أعماله على عدة مدارس فنية بدءا بالتعبيرية مع لمسات تكعيبية تختص، كما يقول، بالتفاصيل وتعبئة الفراغات والزخارف، ذلك أن تلك التعبيرية تبقى بدورها تعبيرية عربية محلية وليست مستوردة، بينما يعتمد الفنان مبدأ التبسيط عندما يتعلق الأمر بالجوانب التكعيبية في العمل الفني، وذلك من خلال أسلوب يعتمد التفكيك والتركيب وإعادة التفكيك والتركيب مرارا وتكرارا، سواء كان الأمر يتعلق بالأطياف اللونية أو التكوينات التي تقوم عليها أعمال الفنان المسكونة بعناصر مستقاة من الهوية والثقافة المحلية في علاقة سرمدية مع المكان والانسان.
يضاف إلى كل ذلك عنصر آخر يعز نظيره في الكثير من التجارب التشكيلية الأخرى، عنصر يتكفل بمهمة إضفاء سمة التناغم والانسيابية في أعمال ورور عموما وهو الموسيقى، التي لا تتسلل في تلك الأعمال صدفة بل إنها تشكل ملمحا رئيسيا منا، ذلك أن الفنان أدرك منذ وقت مبكر من تجربته التشكيلية أهمية الموسيقى وروحانياتها في عالم التشكيل، فانكب على دراستها بشكل أكاديمي طوال 12 عاما، خرج منها بحصيلة مكنته من فهم هذا العالم وتوظيفه سلوكيا لاحقا في ميدان التشكيل، فضلا عن قدرته على العزف على العديد من الآلات الموسيقية.
لا يخلو أي عمل من أعمال ورور من حضور مثله (المقدس)، الكلمة والتشكيل والموسيقى، وهو يوضح هذه العلاقة بالقول:( اشتغلت على الموسيقى طويلا وقد استفدت منها كثيرا بصفتها سلوك فني لا تنتصب اللوحة إلا به)، حيث تمكن الفنان من (اكتشاف الشعر في الموسيقى ومن ثم صياغة هذه الحصيلة في اللوحة التشكيلية، وحيث تنعكس الموسيقى في التفاصيل والجزئيات بتناثرها في شيفرة اللوحة).
عنصر آخر لافت في هذه الاحتفالية التشكيلية، حيث يبدو كل شيء هادئا وكاشفا عن نفسه بعمق الفيلسوف، وهو التدرجات اللونية، سواء في اللوحة الواحدة أو سلاسل اللوحات أو في مجموع الأعمال المعروضة، حيث يبدأ ذلك التدرج المتناغم بإحكام من الأبيض والأسود قبل أن تتصاعد نبرة هذه السيمفونية اللونية إلى الرمادي وصولا إلى الألوان الأخرى، في محاولة موفقة لاستحضار مؤثرات غير مباشرة ولا سيما لناحية حضور المرأة. معارض
أقام الفنان ورور عشرات المعارض الفردية والمشتركة، حيث عرض في مركز الفنون التشكيلية في السويداء والمتحف الوطني في دمشق وبينالي فلورنسا في إيطاليا ومعرض شنغهاي الدولي وآرت دبي وبينالي أزمير في تركيا والمركز الثقافي الفرنسي في نيودلهي ومسرح بابل في بيوروت و( البارح آرت غاليري) في البحرين وغيرها، وهو حائز جائزة صالة الشعب في دمشق وجائزة ( لورنزوإبل مانيفيكو).
