افتُتح مساء الأربعاء الماضي بقاعة دولاكروا بمدينة طنجة معرض فني للفنان التشكيلي المغرب فريد بلكاهية، وذلك بحضور جمهور من الفنانين والمهتمين بالإبداع التشكيلي ضمن احتفاء موسم أصيلة به. ما يثير في معرض بلكاهية الجديد هو اعتماده اللافت والمبهر على مادة النحاس، حيث بدا النحاس داخل قاعة العرض الجميلة دولاكروا، في قلب طنجة، معدنا نفيسا. وتشكل صفائح النحاس الأحمر أو الأصفر المثنية والمطروقة والمقولبة ثم المثبّتة على الخشب رحلة حقيقية في تخوم المادة.
إنه تمجيد للمادة، وهوى آسر، وتواصل حار حيث تنبثق النتوءات من الثنْي واللَّوي المنجز باليدين فقط. فهذه الأشكال التي يتم قولبتها لا نحتها على النحاس تفجر الإطار الكلاسيكي للمستطيل والمربع لتنفث في الفضاء أشكالا غريبة تشكل الدائرة رهانها المركزي.
إن توظيف بلكاهية لها يفرض على متخيلنا تأجيل هذه المرجعية وتوجيه نظرنا نحو حداثة لا لبس فيها. وإذا كان من الأكيد أن استيحاء معارف متصلة بمواد وتقنيات معينة تنتمي للتراث، فليس بأقل توكيدا أن ذلك يتم ُّ في أعمال بلكاهية تبعا لاشتغال مستديم للنسيان. ففي النسيان وانسحاب الرِّقّ يدخل اختيار الجلد، لا في شكل اللوح الذي يحتفظ بصدى كل الآثار المنتمية إلى أزمنة سابقة أو مهارات أخرى. يمكننا القول بأن الذاكرة هي مبدأ العملية الإبداعية لدى فريد بلكاهية.
وهو يستخدم الحروف العربية ليعطيها رمزاً في النحت. يتمثل اشتغال النسيان لا في العمل على تبذير مادته الخام ذات الطابع التاريخي وإنما في إتاحة تواصل أكثر مرونة وإقناعا وثبوتا في صلب الحداثة نفسها، من حيث هي مرحلة تعاش قبل كل شيء باعتبارها تطورا زمنيا تتابعيا لا فقط باعتبارها خصوصية ثقافية.
وتبعا لهذه الروح لم يكفَّ فريد بلكاهية عن تكريم رجالات العرب العظام والاحتفاء بهم كابن بطوطة أو مؤخرا بالشريف الإدريسي. فمعالمه الاستدلالية يمتحها أيضا وبالتأكيد من الغرب في مجال الفن المعاصر. كما أصدر كتبا مع العديد من الشعراء كأدونيس وصلاح ستيتية، وعبد الوهاب المؤدب ورجاء بنشمسي. وإتيل عدنان، ونيكول دو بونتشارا وجان كلارانس لامبير. واهتم بلكاهية أيضا بموسيقى الملحون وتولّع بها وأنجز سلسلة أولى عنها سنة 1980 ، وأخرى سنة 1994.
في الغالب الأعم تكون منحوتات فريد بلكاهية هائلة وعملاقة. فحجمها يندرج في علاقة كونية شبه حلولية مع العالم والأشياء. والتصور الذي يؤسسها والذي لا يتغير إلا بشكل طفيف، يشغّل تقلبات النور والظل، بشكل مدروس ومحسوب في ساعة معينة من النهار. وبما أن تلك المنحوتات بميلاد رجل عظيم فإن المبدأ يتمثل في أن الظل المنعكس على الأرض والمثبت عليها، في تاريخ معين من السنة ، يطابق ظل المنحوتة نفسها.
