حول عنوان "الولادة من جديد"، يلتقي حالياً، وحتى 24 من الشهر الجاري، 49 فناناً تشكيلياً لبنانياً معاصراً، نصفهم من النساء، في معرض جماعي يقام في "مركز بيروت للمعارض" (وسط بيروت)، تجتمع فيه مختلف الأذواق في محاولة لتقديم مشروعات حول ثيمة الولادة، ويخيّم على أعماله جرح لم يلتئم من زمن الحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1990)، أعمار المشاركين تتراوح بين العقد الثامن والعقد الثاني، أي بين من عايشوا الحروب والثورات الكبرى التي غيّرت خريطة الشرق الأوسط أكثر من مرة، وبين الذين ولدوا وترعرعوا بعد الحرب الأهلية.

شاعرية وتهكّم

المعرض تنظّمه شركة "سوليدير"، بالتعاون مع الناشطة والناشرة اللبنانية جانين معماري وبمساهمة من الأمينة العامة للمتاحف الفرنسية دانيال جيرودي، يعبِّر الفنانون المشاركون فيه بطرق فنية مختلفة تمزج بين الشاعرية والتهكّم، وبين الحلم والتشاؤم، بأسلوب واقعي وتصويري، إذ اختاروا أشكالاً تعبيريّة متعدّدة، كاللوحات والصور الفوتوغرافية وأشرطة الفيديو والتجهيزات الفنية، كما أن بعضهم أرفق عمله بنصّ مكتوب، ومنهم من استخدم الألوان المائية والأكريليك والإسفنج وتلحيم الحديد وهكذا، بين تجارب مكتفية بالممارسات الفنية التقليدية، وأخرى تسرِّب هواءات طليعية وما بعد حداثيّة إلى فضاءاتها، ينكشف العنوان الموحّد للمعرض عن تجارب فرديّة متباعدة.

تجريد غنائي

ضمن العروض لوحات للفنان جميل ملاعب (1948)، حيث يقدم تجريداً غنائياً لمسقط رأسه في بلدته بيصور ولوحة شفافة منمنمة معتقة كأنها انبلجت من مصافي الخيال والذاكرة. ويرسم شوقي شمعون (1942) في ثلاثية "الولادة الثامنة لطائر الفينيق" كتلاً لونيّة سوداء تتلاطم فوق أشكال بشرية مصغّرة. وفي "أرض- بحر"، يستغرق هانيبال سروجي (1957) في ثرثرة تجريديّة خافتة. وتكتفي فاديا حداد برسم الأقنعة بدل الوجوه، وتمدِّد فلافيا قدسي إمرأة تخرج منها أوراق وزهور في لوحتها "تفتُّح".

وفي الفوتوغراف، يعرض جيلبير الحاج (1966) وجه امرأة من مجموعته "لماذا نشعر مثل كافكا"، ويقدّم روجيه مكرزل (1961) ثلاث وضعيات لـ"راقص البوتو". وإذ تصنع كريستينا عيد فوتو- كولاج من صورة سينما "دوم" الباقية من زمن الحرب، تصوّر رانيا مطر (1964) ثلاث مراهقات، كي تثبت أن الانتماءات المسبقة لا تفرّق بينهن في هذه السن.

مزاج مدينة

كما يقدّم ألفرد طرزي (1980) مزاجاً مدينيّاً في طباعة صورة فتاة على أنفاق وأبنية شاهقة، وتمزج ديما حجار (1968) بين الفوتوغراف والرسم والتجهيز في ثلاثية "بائعة الدانتيل". أما لور غريب (1931)، فتقدّم تجربة لافتة عبر ثلاث لوحات تشبه مجلات الحائط، وتكتظّ بصور حقيقية لعائلتها وقصاصات لشخصيات وأحداث لبنانية تؤرّخ لأحلام الزمن الذهبي التي انتهت إلى كوابيس الحرب. الى ذلك، فإن الحضور القليل للنحت يتمثل في عملين: "رجل واقف" لسيمون فتال، و"إيكاروس" لميراي حنين.

 أما التجهيز فحاضر أكثر من النحت: في "تأليف"، يعلّق آرا زاد (1962) رحماً مصنوعة من الأسلاك والألياف في ترجمة شبه حرفية لموضوع الولادة، بينما تصفّ ندى صحناوي في عملها مكانس كثيرة أمام قصاصات كتبت عليها مفردات: موت، عنصرية، حرب، خوف، وديكتاتورية، مقترحةً أن "نكنّس" كل شيء من أجل ولادة جديدة. وفي "ملوك وملكات"، تستخدم زينة الخليل (1976) أقمشة ودمى وكتابات إلى جانب صور لوجوه سياسية وفنية معروفة.

تجليات

أما ما صنعته الحرب بالرواية والشعر والسينما، فيجد تجلياته في التشكيل أيضاً، ففي جدارية جان مارك نحاس (1963) المزدحمة بأشكال لكائنات ومسوخ مذعورة، يبدو الهلع بطل المربّعات الصغيرة المتجاورة بشراسة الحبرين الأسود والأحمر، والهلع يختلط بالسخرية لدى مازن كرباج (1975) الذي يعرض 24 دفتراً ملأها بيومياته المنفّذة بتقنيات الشرائط المصوّرة. وفي "قوس قزح الموت" لتغريد دارغوث (1979)، تتوالى تسع جماجم إنتزع الهلع ملامحها وأبقى العظام فاغرة، والمزاج نفسه موجود في "بيروت يا ست الدنيا" لزينة عاصي (1974).