تحت عنوان «سديم»، يقدم الفنان الفلسطيني ناصر السومي 17 لوحة متفاوتة الأحجام ومنفّذة بالإكليريك على الخشب، تستعيد قصة نشوء النجوم، من تكتل الغازات والكتل المادية والغبار، في معرض يقيمه حالياً في غاليري أجيال (الحمرا، بيروت) ويستمرّ حتى 23 من الجاري.

ففي تجربة تجريديّة استبطانية تفيض بالإشارات والرموز، وتستخلص من المحسوس حيناً ومن اللامرئي حيناً آخر مادة يضاهي ويضارع بها الفنان حقيقة الأشياء، وفق منظاره وما أراد، يضمّ المعرض أعمالاً كبيرة وصغيرة، تبدو الصغيرة منها كما لو أنها مشاهد طبيعية وقد اختزِلت بلونين متقاربين من حيث الكثافة، في حين تبدو الأعمال الكبيرة كما لو أنها فضاء شاســـع تسبح فيه كائنات صغيرة وتجعله معتماً.

هي اللوحة لدى السومي مدوّنة تشكيليّة، لا توجد فيها مساحات حرّة ولا فراغات، وهي ذات سطح لوني تنقل الى الرائي رغبة دفينة تعتمل في ذهن الفنان وخاطره، غير توجيهية أو استباقية أو نصيّة أو خطابية، بل تتشكّل كمسرح للخوض والتحدّي والتمازج والغوص والانفلات وتعدّد القراءات والتأويلات.

وهو «سدي» السومي، المتشكّل من أجرام سماوية ذات مظهر منتشر غير منتظم، ومن غاز متخلخل من الهيدروجين والهيليوم والغبار الكوني، رغب الفنان من خلاله بالانطلاق الى الفضاء برحابته كي يضع المشاهد أمام حالتين إشكاليتين، إذ يقترن التشظّي والعشوائية المطلقان بالتناغم والتنظيم اللامتناهيين في استحضار خفايا النفس البشرية التي يجتمع داخلها الصنوان، فطغت على معظم لوحاته الألوان الباردة في توأمة ما بين الكون وحركته ضمن غنائية جذابة، واشتعال للأحاسيس في النفس البشرية، فكلا الأمرين حاضر في لوحاته في تمظهر وثاب وحركيّة بالغة وانسجام آسر.

الى ذلك، تتمحور لوحاته المختارة حول فكرة الخروج من العدم والارتفاع الى درجات الحياة الفضائية أو البحرية أو البكتيريولوجية، وكأننا أمام سلسلة من الاكتشافات الأرضية، فيها سلسلة متلاحقة من الإشارات الكروية، قد تكون مخلوقات أو نباتات أو حصى في ضيافة مساحات مبهمة الحدود، لكن فيها شبه حياة واعدة لأجيال آتية.. وهذه الأكوان، المتوافرة بالآلاف وذات الأحجام المتنافرة أحياناً، وذات الألوان المتناسقة أحياناً أخرى، تروي عن مساحات جغرافية مبهمة الوقع وغير مؤهّلة على ما يبدو لتدبّ فيها حياة لمخلوقات بشرية أو حيوانية أو نباتية.. كرويّات تتدحرج نحو هوّة ما، أو خطوط مختصرة ينفصل بعضها عن البعض.