عندما التحقت بالعمل في وزارة الخارجية في عام 1975 تكرر على مسمعي اسم دبلوماسي من إمارة دبي يدعى محمد بن حاضر، وأسماء دبلوماسيين آخرين كنت أعرف جلهم، لكن ابن حاضر الذي سمعت عنه كثيرا لم ألتقه ولم أكن أعرفه شخصيا. فقد انتقلت إلى سفارة الدولة بالقاهرة ثم تونس وعاد هو من لبنان لينتقل إلى كراتشي قنصلا عاما. فكنا كمن سار مشرقا ومن سار مغربا، وشتان بين مشرق ومغرب.
وفي عام 1986 تبدأ علاقتي بهذه الشخصية النبيلة، ونحن نسعى لتأسيس ندوة الثقافة والعلوم ونضع أسس إنشائها. فتتطور العلاقة عبر العمل سويا في مجلس الإدارة، حيث تولى هو منصب نائب الرئيس وكنت أمين سرها العام ويجمع بيننا حب الشعر والأدب. تعرفت عليه عن قرب معرفة زادت متانة العلاقة بيننا، واستمرت هذه العلاقة حتى بعد أن ترك مجلس الإدارة، وكان الاتصال بيننا لا ينقطع.
حيث كنت بمجرد أن ينشر قصيدة جديدة له أبادر بالاتصال به مهنئا بميلاد القصيدة. وعندما يقرأ قصيدة لأحد الشعراء يبادر بالاتصال بي للحديث حول هذه القصيدة إما إعجابا بجمالها أو انتقادا لها لغة وتركيبا ومضمونا. وترتفع لغة الحوار أحيانا عندما تكون القصيدة يشوبها شيء من الضعف.
كان أبو خالد (عليه رحمة الله) غيورا على الشعر أسلوبا ولغة، يرفض العجمة والركاكة، ويستنكر السذاجة والسطحية، وكانت غيرته هذه نابعة من انتمائه العروبي، حيث إنه متمسك بالعروبة وينافح عنها. ويدافع عن عناصرها وأهمها اللغة العربية. يشعرك أحيانا وهو يتحدث عن اللغة والعروبة أنه لا يزال ذلك البدوي الذي يعيش في مرابع البدو الرحل. فكلما مرت به مفردة ركيكة ثار وردها، لأنها لا تستقيم مع الكلام العربي، ويقول إن العرب لا تقول كذا ويستشهد بأبيات من الشعر العربي.
ويؤكد أننا نحن لا نقول ذلك في عاميتنا، فالبدوي عندنا لا يقول كذا في هذا المعنى ويستقصي المفردات المحلية ليردها إلى أصولها العربية، وكأنه معجم لغوي يسير على الأرض.
لهذا فهو عاشق للشعر العربي الأصيل في أزهى عصوره، تختزن حافظته الكثير من ذلك الشعر، ولا يحتاج إلى جهد كثير أو وقت للاستدلال بأبياته. وكلما مر بيت من الشعر عرف قائله وبيئته ومناسبته. لكن معشوقه الأقرب إلى قلبه كان أبو الطيب المتنبي، يحفظ شعره، ويستشهد به وكلما مر على سمعه بيت للمتنبي تجده فرحاً مزهواً بملقيه، لأنه يجد فيه من يشاركه حب المتنبي لأن ذلك جزء من اهتمامه الشخصي.
لقد كان ابن حاضر شديدا في التحمس لعروبته وقوميته العربية، وكثيرا ما تخاصم مع الآخرين عند المساس بالعروبة. وبلغ اعتزازه بالقومية العربية أن تناول قضاياها في كثير من أشعاره.
وتجد معظم أصفيائه وخاصته من أبناء العربية المخلصين لعروبتهم، لقد أتعبه الهم العربي فانتصب مدافعا عن الحق العربي. وعندما استشهدت المناضلة الفلسطينية التي فجرت نفسها فداء لفلسطين سناء محيدلي قال لها بكل حرقة:
مهما عذلت فلن يجدي بها عذل
مضى الزمان الذي كنا نعللها
لا تبكها فهي أولى أن تهنئها
هبت لهم تجلس الدنيا وتقعدها
إذ لم يعد عندها هم ولا أمل
فيه وحان لها في الموعد الأجل
على صنيع به تعتز يا رجل
فزلزل السهل تحت الجند والجبل
ويزعجه وضع الأمة العربية وحالها من الفراق والشقاق، ويدعوها إلى التلاحم وتفويت الفرص على الذين يسعون إلى زرع إسفين الشقاق بينها حيث يقول:
هم الداء العضال فلا مناص
ليعلم كل من ينوي شقاقا
بأنا بالتآخي نحن أمضى
سوى أنا نعد له العتادا
ويزمع عن تآخينا ارتدادا
وأضعف ما تفرقنا فرادا
ومن عروبته التي يعتز بها لا ينسى وطنيته وحبه لوطنه ولقادته. حيث يرى فيهم تجسيدا للقادة العرب الخلص، الذين بهم تتحقق الآمال:
وطني الهيام وللهيام شواهد
والشوق لا يخبو لدي ضرامه
شوقي إلى من شاد مجد بلاده
يا والد الوطن الذي أحببته
أحييت ميراث البلاد أصالة
والشعب حولك وحدة ميمونة
فالقلب يخفق والجفون شواهد
فالروح تصبو والزمان يعاند
فإذا المفاخر والمآثر زايد
ورفعته ليحار فيه القاصد
وتراثنا فيه الفخار التالد
الله باركها فخاب الجاحد
وكانت معشوقته وأرض مولده دبي حاضرة في كل كيانه لا يمر شهر أو شهران إلا وقال فيها قصيدة:
أبدا دبي تعودك الأعياد
سلبت محاسنك القلوب صبابة
ولأنت مهوى كل قلب عاشق
ولأنت حسناء تضوع مفاتنا
ولك القصيد يقال والإنشاد
وترنمت بجمالك الأعواد
تحدوه نحوك غاية ومراد
بهواك هام مدى الحياة جواد
وفي قصيدة أخرى يغازل فيها دبي ويذكر حسنها:
دبي يا دانة العقد التي نهجت
حسناء تحسدها الأبصار فتنتها
نورية الوجه تعطي دونما منن
بها القلوب فعز العقد وانتظما
قد ظل من ظن حسن الدانة الوهما
وكم لها من عطاء سالف قدما
هذا الحب العميق للعروبة والقومية العربية، التي ينتمي إليها والذي أتصف به لم يجعله منقطعا عن الحضارة الغربية، فكما أحب وطنه أحب بلاد الشام بعبقها وتاريخها، وكما أحب بلاد الشام أحب فرنسا بلاد النور والعطور فقد أخذ من الشرق أصالته، ومن الغرب حضارته. وكان ميلاده بدبي مقابلا لوفاته في باريس، لكن المثوى الأخير كان في دبي التي أحبها.
رحمك الله يا أبا خالد، فإن رحلت بجسمك فأنت باق بآثارك الأدبية، وستخلد المكتبة العربية ما جادت به قريحتك وما خطته أناملك. وسيخلد أصدقاؤك وأحباؤك ذكرى عطرة، لأنك كنت الأخ والصديق والحبيب الوفي.
بعض من أشعار الراحل محمد بن حاضر
حنين
أحنُّ إلى تلك الربوع وأشتهي
مبيتاً بها تحت النجومِ سواريا
واستنشقُ الأطيابَ إذ تخطرُ الصبا
على جدولٍ غافٍ من الماء جاريا
واصغي إلى لحن الصّوادحِ بكرةً
وألثمُ ثغرَ الشمس إن لاحَ غاديا
وأسري إذا ما خيّمَ الليلُ فكرةً
تجوبُ سماءً صدرُها بات عاريا
خيالٌ يُريني طالعَ العمر رائعاً
فأمسي به عن هم دنياي نائيا
وآخرُ ينسيني عنا العيش منهياً
إليّ صفا الأيامِ ما عشتُ راضيا
14/6/1982
حسنُك الفتّان
أنا لسـت أدري من تكونـي
يا ربَّــةَ الوجــهِ الحَسِيــنِ
كونــي عبيــرَ خَميلــةٍ
كونــي أريـجَ اليـاسميــنِ
كونـــي هَـزاراً صَادِحـاً
ألِــفَ التَّغــزُلَ بالغصــونِ
كونــي ربيعــاً باسمــاً
في عمـرِ ذي هَــرمٍ حَزيــنِ
كوني كما تَهـوى المُنــى
وتشـاءُ لي الدنيــا ودينــي
وتعبّــَدي فـي وِحدتــي
نجمــاً يُسَبِّــحُ باليَقيـــنِ
21/3/1996
