«..في أعماقنا.. مئات البشر، وبالنظر للمجتمع العربي فأنا اعتبره غير منسجم مع نفسه، ويحتاج إلى مرآة تريه الحقيقة». تلك هي صورة حقيقية لقبس نور الرؤية الأدبية المضمخة بروح المنافي الفكرية لدى القاص الفلسطيني حسن ابو دية، والذي اكد في حواره مع (البيان)، ان اعماله، هي دوماً مسكونة بالحنين للجذور وعطر حكايات الجدة، مبينا ان تلك المعاني المكثفة لديه، تلخص مرمى وتجليات غوصه المعمق في رحاب وعوالم القصص القصيرة، والتي مثلت فيها، مجموعته الاخيرة: «جسد»، صورة خلاصة ابداعية ناضجة. وبين ابو دية أن المفردات والتفاصيل في المجموعة حُددت بلفظ النكرة، كون ذلك- وكما قال- عكساً شفيفاً لحقيقتنا البشرية.
تقاطع
يتلمس القارئ للمجموعة القصصية «جسد» للقاص حسن ابو دية، وهج الاحساس الابداعي ثوري الملح والرؤى، ويشعر فيها بكم تلك الغربة والجنوح للانتماء والحاجة الماسة للحب. ويقول أبو دية في هذا الخصوص: «لا يمكن لأي إنسان أن ينسلخ عن ذاته، شئنا أم أبينا.. ان العمل الإبداعي فيه تقاطع ما بين الخاص والعام..وأنا اعتبر انه من الطبيعي جدا، أن يتلمس القارئ هويتي في كتاباتي ». ويلفت القاص هنا، الى انه عاش فعليا في مناف عربية، ومع كل هذا التجوال لازال يعتبر نفسه فلسطينيا يبقى باحثا عن ذاته، مؤكدا انه دائما مهجوس في اعماله بالتعبير عن الحنين الى الجذور وحكايات الجدة.
«نيال الي عنده بلد»
يلخص ابو دية خلفية كونه معتكفا دوما في واحة وحدة الذات المجتمعية القصية عن اية مسافات قرب من التماهي والذوبان، إذ يرى نفسه دائما، واينما حل، ذلك الفلسطيني الذي ما زال راسخا في مكنون ابداعه، وهويته وانتمائه، بوطنه فلسطين: في إحدى المرات قدم صديقي استقالته، وسألته عن مشاريعه القادمة، فقال لي بأنه سيرجع إلى بلده، فرديت عليه بكل بساطة وحرقة « نيال الي عنده بلد بيرجع له ».. مهما حاول القاص وضع أقنعة لمسايرة القصة وبلورتها، فلابد أن تتأجج بعض التفاصيل وتكشف هويته.
«إلى أبي»
اختار ابو دية ان يصدّر صفحات ديوانه بإهداء (إلى والدي، من يتقن فن الإحساس بنبض الأرض.. وإلى والدتي من هدهدتني صغيرا فاستقر صوتها في أعماقي أنشودة ملائكية..، وإلى كوثر ألق الروح التي أضاءت لياليَّ.. وأنبتت آمالي).. وكذا اهداء اخر ( إلى كل إنسان لا يزال قادرا على تلمس الإنسانية ). وعن مرد اختياراته في هذا الاهداء؟، يقول ابو دية: « إن الأسرة وبكل تفرعاتها المختلفة الملتقية في آن واحد، تركت بصمات كبيرة جدا في حياتي، فالوالد ذلك الإنسان البسيط تعليميا والمثقف جدا، كان حريصا على تعليمنا.. وطبعا هذا النمط من الاهتمام موجود في كل الأسر الفلسطينية ...» .
(وصية)
يشير أبو دية، في نهاية الحوار، الى ذاك المضمون الحميمي القيم والقريب الى قلبه، في قصة (وصية)، ضمن مجموعته القصصية (جسد)، حيث انها عنوان لقصة الذاكرة والجدة .. والام القضية الفلسطينية ومعاناة اهل فلسطين ونكبتهم. ويؤكد هنا انه خلال دراسته في المرحة الثانوية في المخيم بالأردن، كانت تجلس معه جدته لتورث له ذاكرة الوطن، عبر سرد تفاصيل عدة عن الأماكن والأفراد والأحداث، ليصبح بعدها «شعورا جينيا يورث مع كل ولادة جديدة لأحد من أبنائه. ولتبقى رائحة المكان تعج بأصحابها... ».
