الطعنة الأخيرة التي تلقاها الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي جاءت من طباخه الذي أمضى في بيته 23 عاماً، مثلما تلقى يوليوس قيصر الطعنة الأخيرة من أعز أصدقائه، وفي نهاية المطاف أن من يعيش في كنف عائلة كل هذه المدة لا بد وأن يصبح صديقاً، ولكن كما يبدو أن شهادته كانت مغرية لدور النشر الفرنسية. فقد صدر في باريس منذ أيام كتاب (في ظل الملكة) لمؤلفه لطفي بن شرودة، خادم بن علي، ويحتوي على 185 صفحة عن إحدى كبريات دور النشر الفرنسية (ميشال لافون)، وكان لا بد من سرد ذكرياته بقالب أدبي، يحتوي على الفصاحة الفرنسية، لذلك تعاونت مساعدة أستاذة الأدب في تونس ايزابيل سواريس بومالالة، مع (المؤلف) ليخرج الكتاب في ثوب أدبي راق، يجذب القراء الفرنسيين.

الكتاب برمته عبارة عن استذكار لأحداث تكاد تكون عابرة في حياة أسرة تونسية ولكن هذه المرة ليست أسرة عادية بل أسرة الرئيس المخلوع بن علي الذي حكم تونس طيلة 23 عاماً. والكتاب عبارة عن سرد لأحداث تقع في أروقة قصر(النجمة الزهراء) التابع للدولة التونسية، وأغلبها تعبّر عن مجريات الحياة اليومية، وما يتخللها من مواقف، مشحونة بتوترات عائلية لأن زوجة الرئيس التونسي السابق لم تكن بعيدة عن مركز القرار السياسي، لذلك كانت التقاطعات بينهما قوية وحادة.

لكن ما يقوله هذا الطباخ عن افتخاره واعتزازه بوظيفة رسمية في رئاسة الجمهورية، سرعان ما تكشف أنه تحيّن الفرصة لكي يتحدث عن هذه الأسرار، وهي ليست أسرار دفينة بل أحداث يمكن أن تقع في أية أسرة. أسندت إلى لطفي بن شرودة في البداية مهام في مطبخ القصر، لكنه كلف بعد فترة قصيرة بمهام أخرى، ويقول انه كان أحيانا ينقل مغلفات سميكة مليئة بالأموال، ولكنه لا يقول إلى من كانت تُوزع. وهناك شكوك حول هذه الاعترافات لأنه ليس من المعقول أن يقوم طباخ بالاهتمام بالملفات.

ويكشف أسراراً عائلية مثل امتلاك ليلى طرابلسي لشقة في حي المرسى، كانت تلتقي فيها خفية بعشيقها الذي لم يكن سوى شبحاً في نظر السارد. وفي كتابه عن تأثير ليلى طرابلسي على زوجها، بسبب كبر سنه ومعاناته من مرض سرطان البروستات، أكد على هيمنة عائلة الطرابلسيين على زمام الأمور، وخاصة الاقتصادية منها.

ويصور المؤلف الساعات الأخيرة لبن علي حين ألقى الخطاب الذي أعلن فيه استعداده التخلي عن السلطة في 2014، وهو يصرخ في القصر «زوجتي والطرابلسيون خانوني ولكنهم ذهبوا جميعهم مثل اللصوص».

 

«كالعبيد»

اتهم لطفي بن شرودة، الخادم السابق لعائلة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين في كتابه ليلى الطرابلسي قرينة الرئيس المخلوع بأنها كانت تعامل الخدم في القصر الرئاسي مثل (كلاب) .

وأكد انها كانت دوماً تعاملهم كالعبيد«من خلال عدة أساليب وطرق» وتعذبهم بالسكين ووضعت يد أحدهم بزيت مغلي. وعن ألفاظ زوجة الرئيس التونسي، قال انها سليطة اللسان. وكان الرئيس خاضعاً لزوجته كلياً، بل ويحبها إلى حد الجنون، لأنها أنجبت له ابناً اسمه محمد، إذ كان ينتظر هذا الحدث طيلة حياته.

كشف بن شرودة أسرارا في شخصية زوجة الرئيس بن علي، ولكن جميع ما ذكره، يحتاج إلى مراجعة واثبات. ولا يتضمن كتاب (في ظل الملكة) أسراراً حقيقية بمعنى الكلمة،

بل أحداث لا تتعدى الحياة اليومية التي لا ترقى إلى الأسرار، ولكن آلة الإعلام لا يمكن أن تتوقف، وعنصر الإثارة شرط أساسي في عجلة النشر، وخاصة في فرنسا، حيث يفضل القراء الفرنسيون أن يقرأوا لطباخ أكثر مما يقرأوا لوزير دفاع!