دعت الدكتورة هالة فؤاد إلى قراءة النصوص الصوفية بطريقة جديدة، مؤكدة ان العزلة الصوفية المدعاة، متخمة بصخب الآخرين، وان النص الصوفي هو الاكثر تحررا وانفلاتا من قيود المتن وتقاليده. وقالت فؤاد:« إن الحضور الهامشي للنص الصوفي كان حضورا إشكاليا، فهو الحضور الأشد ثقلا ووطأة وإثارة للجدل. جاء ذلك خلال محاضرة «كيف نقرأ التصوف مجددا ولماذا؟»، التي ألقتها، هالة فؤاد، مساء أول من أمس، في المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة، بحضور الشاعر حبيب الصايغ المدير التنفيذي للمركز.
قراءة التصوف
أوضحت المحاضرة، في بداية محاور عرضها، انه، وللوهلة الأولى، يتبدى سؤال: «كيف نقرأ التصوف؟» وكأنه جزئي متفرع من سؤال أكبر وأكثر شمولية، حول كيفية قراءة التراث الإسلامي ككل. وتكمن هذه الإشكالية الكبرى والأساسية في العمق، لكن في حالة النص الصوفي على وجه الخصوص، قد تعاد صياغتها مجددا بصورة مركبة ومختلفة، وذلك لعدة أسباب أو إشكاليات، وهي- حسب ما بينت د. فؤاد: الطبيعة الهامشية للنص الصوفي داخل الفضاء النصي الأساسي للحضارة الإسلامية، الحضور الهامشي للنص الصوفي كان إشكاليا والأشد ثقلا ووطأة. ولفتت المحاضرة إلى أنه لعله كان النص الصوفي الأكثر قدرة على اختراق المسارب الخفية للثقافة الرسمية السائدة والمهيمنة، عبر انسلال هادئ على كافة المستويات المعرفية والقيمية.
فهو التهديد الذي قد يثيره الهامش، ويشكله دوما على استقرار المتن الرسمي وثوابته القائمة، بوصفه الأكثر تحررا وانفلاتا من قيود المتن وتقاليده، فنحن لا نواجه نصا هامشيا فاقد الحضور والفاعلية، بل على العكس من ذلك تماما، فالعزلة الصوفية المدعاة، عزلة متخمة بصخب الآخرين، الأكثر سطوة وشيوعا وهيمنة، ويظل السؤال حول مدى اختراق الهامش لعمق المتن، وصراعه معه.
صراع عقائدي؟
أما الإشكالية الأخرى، كما أوضحت المحاضرة، فهي أطروحات الهامش الصوفي، والتي تناقضت جذريا مع ثقافة المتن: النقلية والعقلية، وأثارت صراعات عنيفة وصلت في بعض الأحيان لتصفية بعض مشاهير الصوفية، كالحلاج والسهروردي وغيرهما. وهو ما يطرح عدة أسئلة حول اذا ما كان صراع الصوفية مع الفقهاء وأهل النقل عامة، صراعا عقائديا في جذره، أم دنيويا بجدارة على مساحات الهيمنة أو السيطرة؟
وتعرضت د. فؤاد في مضمون حديثها، الى منطلق صراع الصوفية مع أهل اللغة والبيان، حيث قالت: « كان صراعهم جزءا لا يتجزأ من الصراع الكلامي في قضايا التفسير، ولم يعد مقبولا أن نختزل الحديث عن اللغة الصوفية بمجرد أقوال عن رمزية اللغة وخصوصيتها، بل نطرح تساؤلات حول الموقف الصوفي المركب من البيان العربي وإشكالاته، كعلاقة اللفظ بالمعنى، والموقف من الجاز، والتصورات التي وضعتها الصوفية لعلاقة الكتابة بالكلام ومفاهيم السكوت والخرس والصمت، ناهيك عن موقف مثير للانتباه والتساؤل عن الحكي والقص وغيرها.
وأضافت: «ذلك الصراع المضمر والمعقد بين رؤى النص الصوفي اجتماعيا، ومفاهيمه القيمية، أخلاقيا وجماليا، تصورات لافتة وإشكالية حول القيم السائدة، ربما كان أشهرها ما يتعلق بـ: الغنى والفقر، التركيب الطبقي لمجتمعات العصر الوسيط شديدة الفرز طبقيا، معايير الشرف السائدة».وأكدت فؤاد اننا بحاجة لفتح فضاءات جديدة، من أجل اقتحام هذه النصوص التي لم تتكشف للباحثين، وإعادة طرح السؤال حول العديد من الثوابت التي يرددها دارسو التصوف، دون إدراك حقيقي لعمق المخايلة.
