الكاتب نجيب محفوظ رحل بجسده عن عالمنا لكنه ما زال يعيش بيننا بمئات الشخصيات التي حفلت بها رواياته والتي مثلت ذاكرة أمة بكاملها بعد أن نجح في أن يجعل روايته دفترًا لذاكرة مصر طول عقود وسجل فيها أهم الأحداث السياسية التي مرت على مصر سواء في عهد الملكية أو بعد ثورة 23 يوليو، حيث عصور الرؤساء المصريين على اختلافهم جمال عبدالناصر وأنور السادات وحتى حسني مبارك..
وهذا هو ما دفع المجلس الأعلى للثقافة في مصر إلى عقد ندوة خاصة حول (السياسة في أدب نجيب محفوظ)، وهي الندوة التي استهلها أحمد زكريا الشلق، الباحث التاريخي، في حديثه عن السياسة في أعمال الأديب العالمي نجيب محفوظ، بقوله إنه لا يكاد يكون هناك حدث سياسي مر بمصر إلا وكان لمحفوظ فيه مقاربة معه من خلال شخصية من شخصيات رواياته وعلى لسانه. أضاف الشلق أن محفوظ قدم رؤية وموقفًا من الحياة في قضايا الحرية والأحزاب والديمقراطية والصراع السياسي، وبالنسبة لثورة يوليو، قال الشلق: إن نجيب كان متعاطفاً معها في البداية ثم عارضها بشدة عندما تحولت إلى قمع للحريات، مشيرا إلى أن أديب نوبل صور زوَّار الفجر الذين كانوا يلقون القبض على أصحاب الرأي، كما أشار إلى موقفه المخالف للمثقفين في اتفاقية السلام مع إسرائيل، حيث أيد نجيب محفوظ قرار الرئيس الراحل السادات في توقيعه "كامب ديفيد".
محفوظ مؤرخاً
ومن جهته قال الروائي خيري شلبي، إن محفوظ لو لم يكن أديباً لكان مؤرخاً، وأوضح أن الحس التاريخي كان واضحا جداً في أعمال محفوظ الأدبية، فقد أرَّخ عن نشأة الأفكار اليسارية الجديدة وثورة 19 في رواية (بداية ونهاية) و(زقاق المدق) و(بين القصرين) وأضاف قائلا: إذا تأملنا أعماله سنجد أننا أمام تاريخ دقيق لحركة المجتمع المصري، ووصف شلبي محفوظ بأنه خبير في تشخيص المواقف السياسية كما اتسمت كتاباته بالموضوعية الشديدة، ويظهر ذلك عند تجسيده لشخصية الماركسي أو الإسلامي فنجده يتحدث بلسانهم حتى يظن القارئ أنه منهم. وأكد شلبي ما قاله الشلق من أن غالبية رواياته كانت تحوي مضموناً سياسياً حتى سيرته الذاتية في رواية (أصداء السيرة الذاتية) و(أحلام فترة النقاهة)، ووصف شلبي الأحلام في هذه الرواية بالأعمال الفنية الكاملة.
خان الخليلي
الكاتب والصحافي مصطفى بيومي، واختلف مع خيري شلبي حول تحديد مواقف نجيب محفوظ السياسية، ففي في رواية (خان الخليلي) يظهر أنه يحترم الماركسيين ولا يحبهم ويأخذ موقفًا معادياً من الإخوان المسلمين من خلال تجسيده لشخصية أحمد راشد الماركسي المستنير وأحمد عاكف الذي ينتمي إلى تيار الإخوان المسلمين ويصفهم بالتشدد.
وألقى الكاتب والناقد عبدالرحمن أبوعوف، الضوء على حياة محفوظ الشخصية التي كانت تبدأ من الصباح الباكر بقراءة الجرائد والمشي على النيل حتى بعد حصوله على جائزة نوبل، وكيف كان يقرأ حتى فقد بصره، وكان هناك من يقرأ له، وأكد عوف أن نجيب محفوظ كان وفديًا يحترم سعد زغلول وكذلك خليفته مصطفى النحاس، ورأى أن انتخابات 1949 هي أكثر الانتخابات نزاهة في تاريخ مصر.
