بين تجاذبات مستوى الكم والنوع تتأرجح بوصلة الفعاليات الثقافية في الإمارات، مع تزامن ازدهار مختلف جوانب الحياة الأخرى، في مشهد لا يخلو من طغيان الشكل على المضمون أحيانا، إلى درجة دفعت باتجاه الدعوة إلى إعادة توجيه هذه البوصلة وضبطها على إيقاع اهتمامات الناس، الذين يشكلون جمهورا محتملا، بدا غير معني بما تقدمه له المؤسسة الثقافية بكل إمكانياتها، بحيث بدأت تظهر فجوة بين طرفي المعادلة ما استدعى إعادة رسم الخطوط العريضة للخطاب الثقافي، انطلاقا من معرفة دقيقة لطبيعة الجمهور الذي يستهدفه على طريق إعادة اللحمة للعلاقة بينهما.
حول ذلك، وفي حديث عن واقع الفعاليات الثقافية، استطلعت (البيان) آراء عدد من المشتغلين في الشأن الثقافي، حاولوا تلمس حيثيات القضية من واقع تجربة كل منهم، عن طريق الإجابة على السؤال التالي: هل تعتبر أن الجانب الكمي هو سيد الموقف في معادلة الفعاليات الثقافية، ام أنه يأتي على حساب نوعيتها وجودتها وجدواها، ويقود في نهاية المطاف إلى عدم أخذ هذه الفعاليات أو بعضها على محمل الجد من قبل الجمهور، وإلى عزوفه عن المشاركة فيها.
عملية تراكمية
الأديب عبد الغفار حسين، عبر عن عدم استيائه من الكم الكبير من الفعاليات الثقافية التي تشهدها الإمارات، على اعتبار أن هذه العملية التراكمية ستحدث طفرة نوعية في يوم من الأيام، حيث يؤدي التراكم الكمي في المجتمعات التي تنمو ثقافيا إلى تغيير كيفي، وقال: (أنا لا أرى ضيرا في ذلك على أن ينتج عن هذه العملية شيء إيجابي في نهاية المطاف). ونوه عبد الغفار حسين إلى وجود نوع من عدم التنسيق في الفعاليات بين المؤسسات الثقافية في الدولة، بما في ذلك معارض الكتب (التي نجدها مكررة وبمثابة هدر للوقت والجهد، فالشارقة أخذت هذا المنحى منذ زمن، فلماذا لا تتحول الشارقة إلى مركز لمعارض الكتب على صعيد الدولة؟ ولماذا لا يكون لكل إمارة تخصص ثقافي معين؟).
الكيف قبل الكم
سلطان صقر السويدي، رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم قال: (نحرص على الكيف قبل الكم، حيث سجلت الندوة هذه السنة نقلة كبيرة بالمقارنة مع السنة الماضية)، كما كشف السويدي عن أن الندوة تعد هذه الأيام دراسة تقييمية لهذا الموسم الثقافي بغية تحسين الموسم المقبل تمهد للاشتغال على برامج أخرى جديدة، منوها إلى ضرورة التركيز على القضايا المحلية والعربية، لاسيما في ظل الظروف الحالية بحيث يكون هناك نوع من الشرح، والتوعية للجمهور العادي سياسيا واجتماعيا وثقافيا.
وأكد السويدي أن المشهد الثقافي في الدولة: (يبشر بالخير على صعيد الأنشطة، لكننا بحاجة إلى جهة تنسق هذه الأنشطة من الناحيتين العملية والإعلامية)، متسائلا (هل تكون تلك الجهة هي وزارة الثقافة أم المجلس الوطني للإعلام؟ حيث باتت هناك حاجة لوضع أجندة تضبط ايقاع تلك الأنشطة وخاصة الأحداث الكبيرة.
طبيعة الخطاب الثقافي
من جانب آخر، قال الكاتب المسرحي إسماعيل عبد الله: (الجميل هو هذا الزخم الثقافي، الذي بات يشكل حالة استثنائية، لكن هناك حاجة إلى إعادة النظر في نوعية ومضمون هذه الفعاليات. كما نحتاج إلى مزيد من التنسيق بين مختلف المؤسسات الثقافية). كما نوه إسماعيل إلى طبيعة الخطاب الثقافي، متسائلا إذا ما كان هذا الخطاب موجها للنخبة أم للجمهور، وإذا كان الأمر يتعلق بنخبوية هذه الفعاليات، فهل النخبة بحاجة إلى كل هذا الكم منها؟ مع ضرورة تطوير هذا الخطاب نحو تقريبه من اهتمامات الناس، وقال:( ما لم يتحقق هذا التماس مع قضايا الناس، فلا فائدة ترجى)، كما يرى ضرورة احترام التنوع الثقافي وخلق حوار بين مجموع مكونات المجتمع، ضمن استراتيجية للحوار مع الآخر.
مسألة مواسم
الشاعر جمال بن حويرب، مدير مكتبة ومجلس "بن حويرب" يرى أن مسألة الكم والنوع لها مواسم، تبعا لفصلي الصيف والشتاء والمكان الذي تعقد فيه وطبيعة الاعلان عنها، أما من ناحية النوعية فهناك نوع مهم وآخر غير مهم، حيث يمكن أن تكون الفعالية غير نوعية وفيها كم كبير والعكس صحيح. أما فيما يخص المكتبة، فقد أعرب بن حويرب عن اهتمامه بالنخبة من المؤرخين والأدباء، وذلك لما تضم هذه الفعاليات من نقاشات جادة تحتاج إلى علم غزير يناقش قضايا تاريخية ومعلومات عديدة، فضلا عن أن المكتبة بحاجة إلى روافد من وثائق وصور وغيرها من المواد التي يؤمن الكثير منها هذه النخبة، وإلقاء الضوء من سائل الإعلام لنشاطاتها المختلفة.
دور الأمكنة
ناصر العبودي، الأمين العام لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات، تحدث عن دور الأمكنة التي تجري فيها الفعاليات، ومدى قربها أو بعدها عن الناس، فضلا عن زحمة السيارات، وصعوبة توفير أماكن لركن السيارات، لكنه يرى كذلك أن معظم هذه الفعاليات تأتي في سياق تغطية البرنامج الحكومي للمسؤولين في الدوائر ليظهروا التزامهم بالخطة أمام رؤسائهم، وأنهم يهتمون بالثقافة. كما يرى أن المحاضرات روتينية ومكررة، وفيها كم على حساب النوع، في حين يغيب المحاضر الجيد، مثلما يغيب الموضوع والطرح الجيدان.
طابع نخبوي
أما أحمد العامري، مدير معرض الشارقة الدولي للكتاب فيرى أن للثقافة طابعا نخبويا، لكن ذلك لا يلغي الثقافة العامة، كما أن الساحة الثقافية فيها أسماء كتاب تفرض حضورها على الناس، فضلا عن وجود كتاب نخبويين جدا وكتبهم قيمة، لكنهم لا يتمتعون بالشهرة. كما يرى العامري أن زيادة عدد الفعاليات الثقافية من شأنه تعزيز التنوع الثقافي في الدولة، مثلما ترفد المثقف بأفكار جديدة، وبالتالي لا ضير من كثرة الفعاليات الثقافية، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك محاضرات وفعاليات متخصصة، إلا أنها أحيت الدورة الأخيرة من معرض الشارقة للكتاب.
