مرة أخرى متجددة، تجيء(الاحساء) في المملكة العربية السعودية، إلى دبي، ليسحر شعراؤها جمهور ندوة الثقافة والعلوم، في أمسية شعرية، صدحت خلالها ثلاثة أصوات شعرية مهمة في المشهد الثقافي السعودي والخليجي والعربي(جاسم الصحيح ومحمد الحرز ومحمد الجلواح )، اول من امس، وعكست تجارب ثلاث خامات شعرية، تستقي طيفا واسعا من صور وموسيقى القوافي وحرفتها، من منبت لطالما أغنى منطقة الاحساء، بجماليات الفنون الشعرية. وتميزت بتنوع وغنى رؤاها وموضوعاته.

جاءت الاحساء هذه المرة متدفقة كعادتها على متن قصائد تأرجحت بين شعر التفعيلة والعامودي والنثر، حيث أحال الشعراء: الصحيح والحرز والجلواح، أروقة الندوة ومع من كان حاضرا فيها، خلال الأمسية التي ادارها بلال البدور الوكيل المساعد لقطاع الثقافة والفنون بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، إلى واحة شعرية زخرت بكل أطياف القوافي والمعاني.

حضر الامسية، طيف واسع من متذوقي الشعر، ليس في دبي أو الإمارات فحسب، وإنما أيضا في الاحساء نفسها، حيث برز من بين الجمهور عدد من المثقفين والشعراء السعوديين، وفي مقدمهم الدكتور يوسف الجبر رئيس النادي الأدبي في الاحساء.

«زاهية»

قرأ الشاعر محمد الجلواح، بداية، مجموعة من القصائد التي تمحورت حول المرأة والتغزل بها وبجمالها ومحاسنها في مشهد شعري لا يخلو من الطرافة والملاحة وحتى خفة الدم ويشي بأن صاحبها مسكون بحب المرأة، الأمر الذي يتبدى حتى في العناوين التي اختارها الشاعر لقصائده، على غرار:

( أنا.. صريع الغواني)و(زاهية) و( جورجيت) و( رابحة) و( إلى أرملة)، حيث توحي بأن الشاعر قد استنفذ قوافيه على جبهة اختيار أسماء نساء لعناوين قصائد، أسوة بالشاعرين عمر أبي ريشة والشاعر سلطان العويس، على حد قوله، وراح يطاول عوالم نساء فقدن أزواجهن، كي يصوب سهم أشعاره الغزلية نحوهن.

كما قرأ الشاعر جاسم الصحيح مجموعة من قصائده التي جاءت بمعظمها على متن الشكل المقفى للقصيدة العمودية التقليدية من حيث المبنى، في حين تمكنت تلك القصائد، من أن توصل رسائلها المتنوعة بسهولة رقراقة إلى المتلقي، محملة برياح حداثية معاصرة من حيث المعنى، لاسيما وأنها جميعا تغص بالكثير من الالتقاطات الحية لصور شعرية تنم عن حنكة تستمد قوتها من معرفة عميقة باللغة وعالم اللعب على الكلمات. ولم تخل قصائد الصحيح من جرأة يبدو أن الشعر عموما لا يستقيم إلا بحضورها في صوره البليغة، ولاسيما في قصيدة أخرى ألقاها بالندوة، تحت عنوان( فتنة التنصيص، لحظة الأقواس)، التي تتعدى في بعض صورها حدود الغزل.

حالات تأملية

وأما الشاعر محمد الحرز، فقد خرج عن السياق الشعري لزميليه، وقرأ مجموعة من قصائد النثر الذي يميل إلى لغة الأدب السردية مع وجود جرعة كبيرة من الحرص على مزاوجة دهشة وغرابة الصورة الشعرية مع المعاني، التي تشي بحالة من الـتأمل العميق، حيث لا تنطوي هذه القصائد على أي كلمة أو حرف أو حتى علامة ناقصة أو زائدة، في إحالة إلى مشهد فيه الكثير من الهندسة الشعرية، رغم أن مبناها هو النثر، فعندما يقول الشاعر في قصيدة مثل( الصوت في عزلته)، إن هذا الصوت يأتي عميقا وحادا، وإن هذا الصوت ينزل الدرج، فإنه يضعنا بلا شك أمام قصيدة نثرية أبعادها فلسفية تزاوج بين جمالية الصورة الشعرية والفكرة الوجودية العميقة. وبالكاد يحلق الحرز خارج هذا الفضاء الفسيح من العوالم التي تبدو أقرب إلى العوالم الصوفية، كما هو واضح في عدة قصائد قدمها، مثل: ( لا دليل)، ( يا ملاكي الصغير).

عمق تاريخي ثقافي

أوضح بلال البدور، الوكيل المساعد لقطاع الثقافة والفنون بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، خلال حديثه في الأمسية، ان اجواء ومعاني وعوالم الامسية، تعد زاخرة ومفعمة بدلالات وصور غنية شفافة معبرة، تعكس عمق ومتانة العلاقات التاريخية، بين دولتين عربيتين شقيقتين: دولة الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، مبينا ان هذا العمق التاريخي في العلاقات، يحوز جذوة ومنعكسات ثقافية وفكرية، ويتقدم مشهدها، الشعر بمختلف مفرداته وألوان عذوبته.