«عندما تصبح الحقيبة هي الوطن، لا يعيش المرء حياة واحدة بل حيوات». هذا ما تخلص إليه الكاتبة والروائيّة اللبنانية إيمان حميدان، في روايتها «حيوات أخرى»، الصادرة، حديثا، عن دار «الراوي» في بيروت، حيث تحكي فيها بنسيج من الحياكة الدائري، وبحبكة سرد متقن عن توليفة وتفاصيل حياة مجموعة افراد، في صيغة تشويق سلس، تحكي عن الجانب المظلم والموارِب من مصائر الذات المشتّتة والقلقة والمتناثرة، والتي صبغتها العودات المؤقّتة، وايضا الاستعداد الدائم للرحيل عن الوطن او اية أمكنة أخرى تستقر فيها الذوات الجريحة.

وفي «حيوات أخرى» ترى ان المستقبل يخرج من بطن الماضي، ويُنظر الى الحاضر بالالتفات الى الوراء وكأن العودة هي رحلة الذهاب.

 

دوامة الانتماء

نرى انه في الخارج، عاشت البطلة حيوات أخرجتها من تحت طبقات سميكة من الذاكرة لتحياها كحاضر، وطبيبها النفسي طمأنها بأن «الذاكرة الدائرية هي صفة نسائية».. ولمّا قرّرت العودة إلى بيروت لتصنع حياتها الجديدة، حال عقمها دون ذلك، لتجد نفسها فجأة عاجزة عن إيجاد «حياة واحدة»، بعدما اعتادت أن تعيش «حيوات»، في دوّامة الانتماء وعدمه، في تجاذب الأنا المتعدّدة وفي حيرة الخيارات، فـ«الذاكرة والخوف والترحال عندما ترافق المرء، لا يبقى للأخير سوى أن يبحث عن فلسفة شخصية تقارب الزهد والتخلّي».

 

 

«الوطن»

 

تعتني الرواية بادارج شرح مفصل وجاذب عن «حيوات»الشخصيات، والتأريخ الاجتماعي والنفسي للجروح العصيّة على الإندمال للبطلة- الراوية، فالأخيرة هي المحرّك الأساسي للشخصيات التي تُعاني جميعها نواقص مختلفة الأوجه: الأب «مجنون» والأم «صامتة» والحبيب«مفقود» والصديقة أولغا «مريضة».. أما هي، فتُعاني نقصاً نفسياً يتمثّل بالشرخ الذي تعيشه بين ماضٍ متقّد وحاضر متجمّد، ولا شكّ أنّ هذا الشرخ الكبير نتج عن «الفقدان» الذي ربما يكون ثيمة الرواية الرئيسية.. وتأتي كلّ هذه الخسارات التي تتمثّل بفقدان الحبيب، إلى حكمة الأب وحماية الأخ ونصائح الأم، لتكرّس الفقدان الأكبر: «الوطن».