لم تكن سنوات الثورة السوفييتية تتسم بالروح البطولية، بسبب التضحية الإنسانية والتاريخية لكثيرين ممن جعلوا تلك الثورة ممكنة، ولكن أيضاً بسبب الفن العظيم المناهض لما هو ثابت، الذي أطلقه جيل كامل من المهندسين المعماريين الذين سعوا إلى لغة راديكالية جديدة لبناء الاشتراكية. بينما أراد معرض «كايشافورم مدريد» الإشادة بكلا الأمرين معاً من خلال معرض «بناء الثورة والفنون والهندسة المعمارية في روسيا 1915-1935»، الذي افتتح يوم الخميس الماضي، ومن الممكن مشاهدته حتى 18 سبتمبر المقبل.

المعرض المنظم على أساس نماذج عدة من الأبنية، يقوم على 230 عملاً، من بينها ماكيتات ولوحات ورسومات وصور، بينما تتكفل الأخيرة بمهمة نقل الخطاب بين الزمن الماضي، الذي لم يكن أفضل بالضرورة، وبين الزمن الحالي، ذلك أن المعرض يحتوي اللحظات المأخوذة في السنوات الأولى للثورة وصور للمباني ذاتها التقطها المصور ريتشارد باري في السنوات الخمس عشرة الأخيرة، في مقاربة بصرية تسمح بتقدير الفارق بين زمنين وكذلك حالة التراجع التي شهدتها واحدة من أكثر الحركات الفنية أدلجة في القرن الماضي.

حيث سعى الفنانون السوفييت إلى ملامسة ملامح نوع من الفن المجدي الذي يسمح بتغير المنظومة الجمالية الاعتيادية وبحسب ما ذكرته ماري آني ستيفن، القيمة على المعرض ومديرة الشؤون الأكاديمية في الأكاديمية الملكية للفنون في لندن في حفل الافتتاح، فإن «هذه هي المرة الثانية التي يتم فيها التعاون بين المؤسسة البريطانية ومعرض كايشافورم بعد معرض أندريا بالاديو»، مؤكدة أن الأمر يتعلق بحركة تشمل كل الفنون، وليس الهندسة المعمارية وحدها، والتي ترمي إلى نقل فكرة جديدة لمجتمع طري العود. ذلك المجتمع الجديد القائم على الفكرة الاشتراكية، كان شاهداً ومشاركاً في نشاط مكثف تجديدي مستمد من الفن المناهض للتيار الطبيعي ومن الأشكال الهندسية الصافية ومن الفن الراديكاي، على حد تعبير ستيفن.

 

البناء بصفته الجوهر

وبفضل الحوار الذي كان قائماً بين الفنانين والمهندسين المعماريين السوفييت، والذي يظهر في المعرض بوضوح فريد بفضل الصورة، ولد نمط جديد بأشكال هندسية جديدة لا يختفي فيها العنصر المعماري لأنه في هذه الحالة جوهر البناء. وفي ذلك النمط يبرز بالضرورة تيار الابداع المعماري الجديد، الذي يعد الحركة الرئيسية للطليعة الفنية الروسية، حيث تظهر أعمال مجموعة كوستاكس لفلاديمير تاتلين أو غوستاف كلوتسيس أو الليستيتكي أو إيفان كوردياتشوف من خلال المعرض وبوضوح رغبة الفنانين والمهندسين المعماريين في خلق نوع من الفن المجدي يسمح بتغيير المنظومة الجمالية الاعتيادية واليومية.

وعلى الرغم من أن مهندسين معماريين عالميين كبار ومشهورين مثل مندلسون ولوكور بوسير قد شهدوا ملامح مما يسمى الفن الطليعي الروسي، إلا أن وصول ستالين إلى السلطة عام 1929 أوقف ازدهار ذلك الفن وجعل التاريخ أو التاريخ الروسي في القرن الماضي على الأقل يشيد بأشكال وأنماط أخرى.