لا يختلف اثنان بان أدونيس شاعرمجدد ويحمل دائما المثير والاشكالي في مسيرته الابداعية التي دخلت العالمية بامتياز ؛ هو نسيج نفسه ؛ علاقته بالشعر كعلاقته بالفن التشكيلي ؛ انهما صنوان يكملان بعضهما البعض ؛ وليس عن طريق الصدفة أن يقيم له معهد العالم العربي في باريس، معرضاً عن علاقة شعره بالفن التشكيلي عام 2001 وكذلك معرضه الفني الذي أقيم في دبي في عام 2009. يوم الاربعاء الماضي فاز الشاعر السوري علي احمد سعيد اسبر الشهير بأدونيس بجائزة غوته الالمانية المرموقة ؛وقالت الحكومة الالمانية في بيان (اعتبرت لجنة الاختيار أدونيس الشاعر العربي الاكثر اهمية في جيله ومنحته الجائزة عن عالمية (اعماله) واسهاماته في الادب العالمي.)

 

الكولاج

من الملاحظ، أن أدونيس اهتم بالتشكيل «الكولاج»، والذي يرفض تسميته بـ«الكولاج» ويطلق عليه «الرقيمة». وعن هذا الاهتمام، يقول الشاعر: «بدأ اهتمامي في التسعينات عفويا. ولكن بعد مرور أعوام عدة، شرعت أنظر إلى الفن التشكيلي الذي أمارسه بعين مختلفة، لأن العمل يكون منفصلا عني، ويتولد لدي شعور بأن ـــ الكولاج ـــ الذي أسميه ــ رقيمة ــ وكولاج كلمة قادحة، ملصق أو تلصيق أو لصق، وهذا غير صحيح، ورقيمة كلمة عربية راجعتها في لسان العرب.

وتدل كلمة رقم ورقن، على الخط والتشكيل والتلوين أيضا، وتجمعها هذه الكلمة. ولاحظت أن رقيمة ما هي قصيدة، لكن بعناصر غير كلامية، وبعناصر أخرى من الحياة اليومية، عناصر ليس لها قيمة ما، يعني خرقة أو قطعة معدن أو ورقة ممزقة، أي شيء مطروح أو مر مي في الشوارع، لا أحد ينتبه إليه، فآخذه وأعطيه قيمة أخرى، لتركب من هذه العناصر بالإضافة إلى الخط، قصيدة أخرى بأشياء لا يمكن أن تخطر على بال إنسان».

رصيد كبير

أعطى أدونيس للأشياء المهملة والمتروكة، قيما جديدة من خلال الرقائم التي عمل عليها، والتي كان جزءا كبيرا منها ليس حاضرا في المعرض، بل منتشرا على جدران مكتبه وأدراج مكتبته حيث أدوات العمل، من أصماغ وكرتون وعلب ألوان وأقلام رسم وأقمشة متنوعة. والتشكيل هو العصب الحيوي للفن الحديث برمته، كما يرى أدونيس. لم يكن الشاعر في البداية، يثق كثيراً بما يفعل، ولكن أصدقاءه الفرنسيين شجعوه على هذا العمل الفني، بل وأعطوه الثقة، وأكدوا له بأن ما يقوم به لم يسبقه أحد، ما يعني أن الرقائم عبارة عن عمل تشكيلي لا وجود له في الغرب.

وهناك من عمل الكولاج، مثل جاك بريفير، وشعراء آخرين. لكن عملهم كان على طريقة الرسامين كما عمل ماتيس، وهذا المزج من العناصر المتعددة والمتباينة والمتناقضة، بالإضافة إلى الخط العربي، هو الذي يعطي لرقائم أدونيس منحى آخر في التميز والتجديد. وجدران مكتبه مكتظة بمئات الرقائم.

 

تجربة دائمة

يحكي أدونيس عن أسباب وخلفيات عدم ثقته في هذه الرقائم الفنية التي ينجزها:« إنما قليل الثقة جدا بكل ما أفعله، شعرا ونثرا، وأيضا أي شيء، لدي شعور شخصي أن كل ما أفعله في جميع الميادين، هو عبارة عن تجربة تجعلني أحس بالبداية الصحيحة، وأشعر بأنني لم أصل بعد إلى هذه البداية الصحيحة».

وعن تداخل الفنون، يقول أدونيس: «الفنون متداخلة وهذه مسألة يجب أن ينتبه إليها الشعراء والكتاب العرب، لأنه عادة ما تعودنا أن ليس هناك أي علاقة، ولا أي تفاعل بين الشعر والرسم والموسيقى، وهذا فقط على مستوى الأغنية».

 

تداخل الامكنة

الحداثة هي معانقة العصر، والانفتاح عليه. ويلخص ادونيس وجهة نظره في هذا الاتجاه: «حتى المركبة الفضائية التي تصل إلى القمر ليست معزولة، حتى علميا، عن أول دولاب اخترعه السومريون. وإذا لم تر في المركبة الفضائية الدولاب السومري فأنت لست حديثا. فكيف تتداخل الأزمنة وتتداخل معها الأمكنة أيضا. وهذه النظرة الكلية الشاملة تنقصنا وللأسف . لا يمكن أن تقرأ غوته... يجب أن تقرأ معه كل عالم الحضارة الإسلامية التي يتحدث عنها. لا يمكن أن ترى أوروبا دون أن تراها من خلال الأندلس. إن تشابك الأزمنة وتداخلها وتشتبك الماضي والحاضر، ومثل ما يصبح العالم قرية صغيرة، أي أن الإعلام وحد العالم. من باب أولى أن يكون الزمان موحدا أيضا».

 

تراثي وحداثي

إن هذه النظرة التي يطرحها أدونيس تلتقي مع نظرة أسلافنا إلى الأدب والإبداع عامة. وهو يحكي الكثير في هذا الخصوص: «من المستغرب أن يكون الغربيون الكبار، مرتبطين بالتراث العربي أكثر من كتابنا العرب أنفسهم، مثلا عندما تقرأ بورخيس، تجد عالم ألف ليلة وليلة السحري العربي الإسلامي إجمالا. وعندما تقرأ غوته ولوركا وأراغون تجد تراثنا العربي في نصوصهم ، فليس هناك كاتب كبير في العالم ليست له صلة بالماضي العربي».

 

تراثي وحداثي

إن هذه النظرة التي يطرحها أدونيس تلتقي مع نظرة أسلافنا إلى الأدب والإبداع عامة. وهو يحكي الكثير في هذا الخصوص: «من المستغرب أن يكون الغربيون الكبار، مرتبطين بالتراث العربي أكثر من كتابنا العرب أنفسهم، مثلا عندما تقرأ بورخيس، تجد عالم ألف ليلة وليلة السحري العربي الإسلامي إجمالا. وعندما تقرأ غوته ولوركا وأراغون تجد تراثنا العربي، فليس هناك كاتب كبير في العالم ليست له صلة بالماضي العربي». نلاحظ أن بعض الشعراء الشباب يقبلون بذلك.

ولكن عندما يرون أن مثل هذه العلاقة بالماضي موجودة عند شاعر عربي ينتقدونه. وهذا ما يميّز أدونيس عن بقية الشعراء العرب، فهو التراثي الكبير والحداثي الكبير في آن معا. وربما لجوؤه إلى عالم التشكيل والرقائم هو جزء من هذه النظرة الكلية والشمولية للعالم. وأدونيس، شاعر يؤمن بالحرية والتنوع والتعدد. لكن هذا كله يتطلب مستويات ومواهب ضخمة. فهل هناك تواصل ممكن لشعر أدونيس مع ميادين أخرى غير الرسم؟ حقيقة لا يمكن التنبؤ بعوالم الشعر وروادها، فهي مفتوحة مشرعة دوما على كل الفنون الأخرى.

 

الرسامون العرب ونصوص أدونيس

اندفع أدونيس إلى إشراك عدد من الرسامين لاستكمال عمله الشعري والفني. وهم إما أصدقاء تعاون معهم الشاعر في كتب فنية ونادرة، وإما فنانون أحبوا أن يحيوا أدونيس وعمله الشعري. فقدموا أعمالهم كتحية إلى الشاعر، وهؤلاء هم مثل الفنان الفرنسي المعروف سولاج، الذي يعد من جيل كبار الفنانين الفرنسيين، وغيلوكوفيتش وكريستيان بوييه وغيرهم. والباقون أصدقاء الشاعر الذين أحبوا أن يشاركوا بأكثر من عمل، مثل : زياد دلول وضياء العزاوي وفريد بلكاهية وكمال بلاطة وشفيق عبود.