يحاول عالم الاجتماع والصحافي فريدريك مارتيل في كتابه ( تعميم الثقافة، كيف تولد الظواهر الجماهيرية)، الصادر عن دار( إد.طوروس) الرد على أسئلة مطروحة في عالم الادب والسينما والابداع، مؤكدا أن لا وجود للثقافة خارج النبوغ وكيفية ولادة ظواهر الجماهير وثقافتها الشعبية في عالمنا الراهن ؛ وذلك عبر رحلة قادت مارتيل من نافشيل مهد الموسيقى الريفية حتى بيروت للتعرف على عالم ثقافة حزب الله، ومن كبريات الاستوديوهات في هوليوود لوس أنجلوس إلى بوليوود الهندية، ومن حلبة الشركة الأسطورية للموسيقى السوداء في ديترويت إلى القاهرة، ومن ميامي إلى الممر الياباني الضيق والبوب الآسيوي، ومن شاكيرا إلى أفاتار ومن إنريكي اجليسياس إلى (نساء مفقودات).
هل مرد ذلك يعود ربما إلى أننا بتنا نعيش ثقافة شعبية على نطاق كوني؟ كما يوضخ مارتيل في كتابه معرفا الأطروحة التي ينطلق منها، والتي تقول بأن الثقافة المحلية والاقليمية والوطنية لا تزال قوية بما يكفي رغم العولمة. لكن، من الجانب الآخر، فإنه يعد أمرا أساسيا ذلك الحضور للثقافة العالمية أو بالأحرى ثقافة شمال أميركا، حيث لا تزال هاتان الثقافتان تتعايشان جنبا إلى جنب.
فبالنسبة لمواطن اسباني أو فرنسي، فإن ثقافته الوطنية أساسية وهي تعكس هويته وتاريخه ولغته، لكنها تسير في الوقت نفسه على ايقاع تيار ما يسمى ظاهرة التعميم أو ليكن ( باتمان) أو( قراصنة الكاريبي) أو( شيفرة دافنشي). ويقول مارتيل ( أعتقد أيضا أنه من السهل أن يعرف الفرنسي عن عالم هوليوود أكثر مما يعرفه عن الثقافة الشعبية الاسبانية المعاصرة أو العكس).
العيش على الطريقة البوليوودية
البلدان الناشئة مثل الصين والهند والبرازيل، لا تنمو من الناحية الاقتصادية فحسب، فعلى الرغم من بعض المعوقات المحددة، فإن هذه البلدان تبحث عن خياراتها على المستوى الثقافي أيضا، حيث يضيف فريدريك مارتيل: ( في يومنا هذا، فإن غالبية التصدير الثقافي من أصل أميركي، وأنا لا أعتقد في هذه اللحظة بأن أن هذا الظاهرة ستتراجع. لكنني أعتقد بأن هناك لاعبين جددا يظهرون ويبدأون بعمل جبهة مقابل المارد الأميركي.
وثقافة بوليوود تشكل واحدة من تلك الحالات، التي باتت تدخل إلى روسيا وأفريقيا واميركا اللاتينية، على الرغم من أنه من الواضح أنه من الصعوبة بمكان على فتى أبيض كإنسان أن يبادر إلى مشاهدة فيلم هندي. لا بل إن الفيلم الهندي الأشهر ( سلومدوغ المليونير) مقتبس من رواية هندية وإن ممثليه هنود وصور في بومبي، لكن الشركة المنتجة هي شركة بريطانية تدعى ( بيث يو.كيه).
نظرية المؤامرة
(ألا نضع أنفسنا في هذه الحالة) فصل جديد من فصول نظرية المؤامرة أو سلسلة من المتنفذين يقررون جالسين على طاولة ما أي سينما سيرى الناس وأي موسيقى يسمعون واي كتب يقرؤون؟ يجيب الباحث: ( لا، لا، لا تقنعني كلمة مؤامرة، لكن الأمر لا يتعلق كذلك بنشاط بوهيمي، بل يتعلق في المقام الاول بتسويق على درجة رفيعة من الاحترافية، يتعلق بإطلاق منتج ثقافي كما لو أنه سيارة أو اي منتج آخر. لكن على أن يحافظ هذا المنتج على قدر مهم من الابتكار والابداع، فعرض فيلم ما أو نشر كتاب ما ليس كتعليب الطعام).
وهكذا يبدو مارتيل متفائلا ومقتنعا بأن المواطن المتوسط (أكثر قدرة مما يعتقد على تفكيك كل عالم النشر والتسويق هذا. وقد يبدو هشا أمام هذه الشركات الكبرى، لكنه أكثر قدرة على المحافظة على سلوك نقدي مما يبدو عليه، وخصوصا مع قنوات المعلومات الجديدة مثل الانترنت.
