يسلك تقرير «حالة حوار الثقافات في العالم»، الصادر حديثاً عن مركز الفكر العربي للبحوث والدراسات، ضمن سلسلة «معارف» الشهرية، في منهجية تحليلية لخطاب الصحافة المكتوبة، كموجّه أساسي للمعرفة وتكوين الرأي.
وترصد الدراسة المسحية لمحتوى صحف ودوريات إنجليزية وفرنسية وألمانية وعربية صدرت في العام 2009، أساليب معالجة الصحافة المكتوبة للقضايا والأحداث ذات الطابع الفكري والثقافي، من خلال مجمل المادة المنشورة على هيئة مقالات أو تحليلات أو وجهات نظر، وتأثير هذه المادة الحاسم في بلورة صور متبادلة كلّ عن الآخر، وتطور النظرة بين الشرق والغرب في إطار من التنوع الفكري والسياسي، وبالتالي تثبيت هذه الصورة وبلورتها عن طريق التراكم في النشر.
للتقرير أهداف ومشتركات، أهمها: إبراز صورة الغرب في الصحافة العربية «تجليات التفاعل بين الأنا والآخر»، تحليل الكيفية التي تؤثر بها سياقات تقديم صورة الغرب داخل هذه الصحف وحدود التقاطع في خصائص تقديم صورة الغرب داخل هذه الصحف، تقييم الدرجة التي تصب فيها المعالجة الصحفية لصورة الغرب. ومن الجهة المعاكسة تسعى الدراسة إلى معرفة الإسهام الذي تقدّمه الصحافة الغربية المطبوعة لجهة الحوار ما بين الثقافتين العربية والغربية :«كيف يرى الغربُ العربَ من منظور ثقافي»، وحجم الاهتمام الذي توليه لموضوع التقارب أو التباعد ما بين الحضارتين، واستقصاء الأسلوب الذي يستخدمه الإعلام الغربي المطبوع في تعاطيه مع القضايا الثقافية والاجتماعية والأدبية والفنية العربية. وغيرها الكثير.
وفي رصد لسمات المادة الإعلامية الغربية لناحية العرب وقضاياهم الثقافية والاجتماعية، برزت في الدراسة تباينات لجهة استحواذ قضايا وفئات محدّدة، مثل فئة «الموسيقى والرسم» التي سجّلت أعلى نسبة مئوية (22.4%) في إطار «تقارب الثقافات والحضارات» في الصحف الإنجليزية الثلاث التي اختارتها العينة، في حين لم تأخذ قضايا «الأديان والمذاهب» و«الحجاب والنقاب» و«الهوية الوطنية» انتباهاً واضحاً في القضايا الثقافية والاجتماعية العربية التي تناولتها المطبوعات الإنجليزية.
وفي الإطار نفسه، أي «تقارب الحضارات والثقافات» سجّل كل من فئتي «الأديان والمذاهب» و«الإعلام والنشر» أعلى نسبة مئوية (13.0%)، بين الفئات الأكثر تناولاً في المطبوعات الفرنسية، وتكشف الجداول المرفقة أن الفئات الموضوعية المتمثلة بـ: «شخصيلت عربية»، «الأدب والشعر»، «حرية المرأة». سجّلت على التوالي النسب الأعلى. أما في الصحف الألمانية فقد سجّلت فئة «المذاهب والأديان» أعلى نسبة مئوية (24,1 %)، بين الفئات، ولكن في إطار تباعد الحضارات والثقافات، مقابل (10 .3 %) سجلتها الفئة نفسها في إطار «تقارب الحضارات والثقافات»، فيما سجّلت فئة «الآثار والتراث»، أعلى نسبة في هذا الإطار بلغت (20.7 %)، في حين سجلت فئات «الموسيقى والأدب»و«الحرب والسلم»- منفردتين، نسبة (6.9 %).
رؤى واهداف
تسعى الدراسة إلى الاستفادة من نتاج الحوار الحضاري ما بين العالمين، وتثبيت اتجاه توفيقي بين معطيات تحمل عوامل وسمات تسهم إلى حد بعيد في التقريب بين الثقافات، وتوظيف تلك الصور في حوار موضوعي مسؤول يضع نصب عينيه تنقية كل من الصورتين من الشوائب التي تلحق بها وإسقاط ما يعتريها من تشويه تفرضه الأفكار المسبقة، ومن هنا تناولت هذه الدراسة الجانبين الثقافي والاجتماعي في مطبوعات مختلفة، لغوياً ونوعياً ولجهة تاريخ الصدور، وأبرزت نتائج الدراسة أن المطبوعة اليومية لها الأثر الأكبر في تحديد ميول المواد الإعلامية، إذ أن نحو 61 بالمئة من الناس يستقون معارفهم من الصحيفة اليومية وتوائمها الإلكترونية، في حين تستقي 80% من وسائل الإعلام الأخرى، وخصوصاً التلفزيونات ومواقعها معلوماتها، من الصحف المطبوعة.
وفي تقديمه للتقرير، يؤكد أمين عام مؤسّسة الفكر العربي الدكتور سليمان عبد المنعم، الحرص على التأسيس لمقولة «المعرفة تسبق الرأي»، وبذا يترتب عليها مقتضياتها، مشيرا الى انه لربما اكتشفنا أننا نحتاج لمعرفة الغرب أكثر بقدر ما يحتاج الغرب بدوره لأن يعرفنا أكثر وأكثر. وأعتبر أن التقرير حول حالة حوار الثقافات في العالم، يأتي انطلاقاً من اهتمام مؤسّسة الفكر العربي بضرورة السعي لتجاوز مناخ الاحتقان السائد بين الثقافتين (العربإسلامية) من ناحية، والثقافة الغربية من ناحية أخرى. وهو مناخ مازال ملبداً بغيوم الانطباعات المسبقة، والصور الذهنية النمطية والتعميمات غير الصحيحة وغير المنصفة، إضافة إلى شكوك وذكريات مؤلمة طواها التاريخ، ولكنّ محاولات استحضارها مازالت قائمة حتى اليوم. ويبين ان الصراع العربي الإسرائيلي وما يفرزه من معاناة يومية للشعب الفلسطيني، هو عامل آخر يزيد المسألة برمتها تعقيداً.
