تضافر الشعر مع النقد الأدبي واتحدا في بوتقة واحدة ليستعرضا معا، في أمسية استضافتها ندوة الثقافة والعلوم، مساء أول من أمس، ملامح من تجربة الشاعر الإماراتي حبيب الصايغ رئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وذلك بحضور محمد المر نائب رئيس مجلس إدارة هيئة الثقافة والفنون في دبي، وبلال البدور الوكيل المساعد لقطاع الثقافة والفنون بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وسلطان السويدي رئيس مجلس إدارة الندوة، والأديب عبد الغفار حسين، والزميل علي عبيد رئيس مركز الأخبار في مؤسسة دبي للإعلام، والدكتور عبد الخالق عبد الله مسؤول اللجنة الثقافية في الندوة.
أما عن الشعر الذي ترددت أصداؤه دافئة في الأمسية، والتي قدم لها الكاتب ناصر عراق المنسق الإعلامي في الندوة، فقد جاء على لسان صاحبه حبيب الصايغ نفسه، والذي قرأ مجموعة قصائد من ديوان مختاراته الأخير (رسم بياني لأسراب الزرافات)، بينما جاء النقد من خلال ورقة نقدية قدمها الباحث والناقد والشاعر الموريتاني الدكتور محمد ولد عبدي، تحت عنوان(الوعي الكتابي لدى الشاعر حبيب الصايغ، ظاهره ومظاهره).
تأملات وعوالم غنية
لم ينحز الصايغ في قراءاته الشعرية أثناء الأمسية إلى جنس شعري بعينه، فقد قرأ الشعر بأشكاله الثلاثة، العمودي والنثري والتفعيلة، كونه يؤمن، حسب تأكيده، بـ «بتعايش الأشكال الشعرية»، كما نوه إلى أن هذه القصائد التي ضمها ديوانه الأخير هي قصائد مختارة من مجموعاته السابقة، والتي كان نشرها بين عامي 1980 و1996، وفيها أيضا قصائد مما لم ينشره في دواوينه من قبل. واختار الصايغ قصائد متنوعة بدأها بقصيدة (النوافذ)، التي يقول في مطلعها: (النوافذ أبعد من أن نراها جميعا/ وتدنو/ تراسلنا منذ عهد الطفولة/ تكتبنا في حفيف الغصون). كما قرأ قصائد (نفق) و( رسم بياني لأسراب الزرافات) و( الجواهري)، قبل ان يختتم قراءاته بقصيدة (البطريق) التي تنطوي على نبرة ملحمية من حيث المعنى والمبنى، على حد سواء، ومن حيث عمق ما تتضمنه من أطروحات فلسفية وانسانية تفصل بين عالمي هذا الطائر الوديع على اليابسة وفي البحر، وبين التحليق والسير على قدمين ليُسقط الشاعر ذلك على مفردات الحياة البشرية بتناقضاتها المتعددة، داعيا إلى الانعتاق وكسر القيود وإلى الابحار في بحار جديدة.
مسيرة وتحولات
ورقة الناقد والباحث والشاعر الدكتور محمد ولد عبدي، الذي يعمل في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، فقد جاءت لتضيء على تجربة الصايغ من ناحية مجموعة التحولات التي مر بها الصايغ، من خلال تجربته الشعرية الممتدة منذ أربعة عقود من الزمن، لكنها ركزت في المقام الأول على خاصية الوعي الكتابي، والتي وصفها الباحث بأنها تعكس مستوى متقدماً للوعي بالشعر، لا سيما وأن الصايغ نفسه هو من يقول إن (القراءة محنة الكتابة)، وهي مقولة، حسب عبدي، تقوم عليها كل تجربة الصايغ الأدبية وربما الحياتية أيضاً.
كما رأت الورقة أن تجربة الصايغ تتميز بخاصيتين قلما تجتمعان في شاعر، الأولى تتعلق بعمق فلسفي في المنجز الإبداعي لدى الصايغ، مبينة أن ذلك مرده إلى التخصص الفلسفي الذي يفتح العقل على التأمل والتأويل.
أما الخاصية الثانية المميزة لهذه التجربة فتكمن في عنصر التجويد الدائم الذي يحرص الصايغ عليه في كتاباته، سعيا وراء النموذج الأمثل والتكثيف في شكل الكتابة، وذلك من باب رفضه للتكرار والاجترار في مشهد يشي بحالة متقدمة من وعي الكتابة لذاتها الكتابية، حيث يصبح الشعر دائراً على ذاته وأداته والرسالة انعكاساً لذاتها كما في قصيدة.
(أيقونات لغوية)
تناولت الورقة النقدية الخاصة باستعراض وبحث تجربة الشاعر حبيب الصايغ، في الأمسية، عالم سيمياء اللغة والوعي النحوي واللغوي الذي يعد من أبرز ملامح تجربة الصايغ الابداعية. الأمر الذي يتجلى على نحو خاص في قصيدة (الاسم الموصول)، التي تتحول علامات الترقيم فيها إلى أدوات دالة أو مزدوجة الدلالة، مثلما تتحول من الشكل المرسوم إلى الشكل المكتوب، أو من أيقونات دالة إلى أيقونات لغوية.
كما أكدت الورقة أن هذا العمق الفلسفي بأبعاده اللغوية في تجربة الصايغ، ناجم عن مفهوم الصايغ للشعر من حيث إنه مكمل للحياة، حيث يتجلى حضور الوعي للكاتب بأنه صادر عن وعي وجودي أشمل .
