من أحد المظاهر المميزة للثقافة البريطانية، هي كلمة (انتلكتول)، وترجمتها باللغة العربية (المثقف)، يقول الشاعر الانجليزي المعروف د. ه. أودن (إن كلمة ــ انتلكتول ــ تقترح الطريق الصحيح لمعنى المثقف في اللغة الانجليزية، وهي كلمة تشوبها الكثير من سوء الفهم في العالم، والسؤال الجوهري هو ماذا يمكن أن ننتظر من المثقف؟

الصحافي والمؤرخ بول جونسون كرس نفسه لتأليف كتاب بأكمله بعنوان (المثقفون: من ماركس إلى تولستوي إلى سارتر إلى شومسكي) عام 2000، لكي يزود القارئ بمعرفة عن بعض الشخصيات الثقافية البارزة في القرن العشرين. ويناقش الناقد الأدبي جون كاري في كتابه (المثقفون والجماهير)، منشوارت (فيبر 1992) وعلاقة المثقفين مع الجماهير عبر العصور المختلفة.

وفي بريطانيا، تشوب كلمة (المثقف)، الكثير من الغموض والألغاز حتى أنهم عندما يتحدثون عنه، يقولون (ما يُسمى) بـ (المثقف). لكن الأمر، يختلف في فرنسا، فكلمة (مثقف) تحمل الكثير من الدلالات الفكرية، فهي تعني المثقف الشامل الذي يعتني بكل ما يحصل في المجتمع، ويعتبر نفسه مسؤولاً عنه أخلاقياً. لذلك نجده في قلب المعمعة، جنباً إلى جنب، مع السياسي إذا لم يكن أكثر أهمية منه. ولعل كتاب وزير الثقافة الفرنسي سابقا أندريه مالرو، كان مهماً لدرجة أن عنونه (أنا وشارل ديغول).

نرى هنا ذات الكاتب تسبق الرئيس. وعندما قامت التظاهرات الطلابية في فرنسا عام 1968، كان المفكر والفيلسوف جان بول سارتر يقف في المقدمة، وعندما تم اعتقاله، ووصل الخبر إلى شارل ديغول، صرخ قائلاً: (أطلقوا سراحه، إنكم تعتقلون فرنسا بأكملها). هكذا كانت أهمية المثقف في فرنسا ولا تزال. فالمثقفون يشكلون جزءاً من المشهد الثقافي والسياسي في فرنسا، وهم يختلطون مع أفراد المجتمع بشكل يومي. ويكفي أن جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار قد ألفا معظم كتبهم الأدبية والفكرية في مقاهي (دي ماغو) وكافيه (دي دوم) وغيرهما في شارع السان جيرمان. وإذا كان للمثقفين في فرنسا دور فاعل ونشيط في تحريك المجتمع، وانخراطهم في القضايا السياسية، فإن المثقفين في بريطانيا ليس لهم الدور ذاته، بل هم يعملون في الكواليس كأكاديميين معزولين. ولطالما وقف المثقفون الفرنسيون ضد سياسة حكوماتهم من أجل مناصرة البلدان التي استعمرها بلدهم مثل بيان المثقفين الفرنسيين الشهير المناصر لتحرير الجزائر. وربما يعود ذلك إلى حدة السياسة في فرنسا.

أما الثقافة البريطانية فكانت تغلب عليها المسحة الارستقراطية، من خلال وجود الكنيسة المتسامحة، والاصلاحيين البرجوازيين وغيرهم.

يعتقد الروائي ويل سيلف، (ان البريطانيين يحبون المؤرخين الذين يظهرون على شاشات التلفزيون وكذلك العلماء الطبيعيين وليس المثقفين العامين حيث يتمتع البريطانيون بقابلية كبيرة للمقاومة أمام موجة النظريات القادمة إليهم. وإذا كان في فرنسا مثقفون من أمثال فوكو ودريدا، فإن لدينا تيري ايغليتون وكولن ماكيبيس).

الكاتب ليونيل شرايفير يقول( أعتقد أن البريطانيين يتعاملون مع المثقفين أفضل من تعامل الأميركيين لهم). وتقول الكاتبة ماري بيرد (لا أعتقد أن الفرنسيين أكثر منا اهتماماً بمثقفيهم، وربما لأن مثقفينا ليسوا من نوع النجوم والمشاهير كما هو الحال في فرنسا، بل هم أكاديميون يعملون بصمت).

يمكن الاستنتاج بأن سلطة المثقفين في فرنسا تفوق سلطتهم في بريطانيا، لأنهم يتدخلون في الشأن العام، ويعطون آراءهم، وهذا ما لا يحصل في بريطانيا.