خمسة رسائل وخاتمة مسبوقة بمقدمة، و190 صفحة من القطع الصغيرة ودعوة لايقاظ الوعي الإنساني الوقوف في وجه الخنوع والاستسلام والكذب والهوان واللامبالاة، هي جل مكونات كتاب (الممانعة) للكاتب الأرجنتيني أرنستو ساباتو، الذي غيبه الموت في نهاية أبريل الماضي عن عمر ناهز مئة عام، الصادر مع عدد ديسمبر الماضي من مجلة (الرافد) عن دار الثقافة والإعلام في الشارقة.

مقدمة الكتاب كتبها مترجم الكتاب إلى اللغة العربية الكاتب والأديب المغربي أحمد الويزي، فيما تحمل كل رسالة من الرسائل الخمس والخاتمة التي كتبها ساباتو لما بلغ التاسعة والثمانين من عمره عنوانا مستقلا يصب في نهاية المطاف في التكون العام للمؤلف؛ لتشكل جميعها، وصفا لحالة الانحطاط التي بلغها انسان هذا العصر، وهو أسلوب حبذه صاحبه رغبة منه ربما للابتعاد قدر الإمكان عن الأسلوب التقليدي الصارم في كتابة المقالات والكتب، بغية التقرب من القارئ ومد جسر من الثقة بينه وبين مؤلف الكتاب.

تحمل الرسالة الأولى عنوان (الصغير والكبير)، ويتناول فيه ساباتو مشكلة افتقاد البعد الإنساني الحقيقي في الحياة، وابتعاد الإنسان عن جوهرها، وانشغاله في التافه والثانوي منها على حساب ذلك المضمون، حيث يقابل المؤلف هذا الإنسان بالتكنولوجيا، التي هيمنت عليه تدريجيا حتى تملكته، وأصبح جزءا منها يخدمها بدل أن تخدمه.

ثم يعقد ساباتو في الرسالة الثانية التي تحمل عنوان (القيم القديمة) مقارنة نقدية بين المدينة والقرية، ويصف فيها التغيرات التي طالت معالم المدن، حتى قضت على اتساقها وانتظامها ورونقها، حيث باتت تنتشر مظاهر الاستلاب الإنساني.

أما الرسالة الثالثة، فجاءت تحت عنوان (بين الخير والشر)، وهي تتناول موضوع الطفولة بصفتها رمزا للبراءة والنقاء، وبصفتها تشكل منطلقا لتغيير هذا العالم الذي أصبح يفتقر لكثير من القيم، بينما تتحدث الرسالة الرابعة عن «قيم الجماعة» انطلاقا من مدينته بونوس أيريس.

في حين يصل ساباتو في الرسالة الخامسة بقارئه إلى (الممانعة)، ويضعه في مواجهة اندحار القيم بين أفراد المجتمع، حيث أصبح الإنسان يعيش مثل آلة في ظل نظام رأسمالي متوحش، وينقله في الخاتمة التي تحمل عنوان (القرار والموت) إلى عالم الأفكار المجردة والتأملات الفلسفية، أو بالأحرى إلى عالمه الخاص القائم على الفكر والتأمل.

ثمة سببان يمنحان كتاب (الممانعة) مزيداً من الأهمية ويرفعان من سقف الدعوة ليس لقراءته فحسب وإنما لقراءته بتأن أيضا؛ الأول يتعلق برحيل مؤلفه الذي يشكل بذاته خسارة كبرى للساحة الثقافية والسياسية ليس في الأرجنتين وأميركا اللاتينية وحدهما بل للساحة الثقافية العالمية كلها، وذلك لما مثله ساباتو من نموذج استثنائي على مستوى تعاضد السياسي بالأدبي، أما السبب الثاني الذي يضفي مزيدا من الحيوية على هذا المؤلف، فيتعلق بما تشهده المنطقة العربية من ثورات ومتغيرات سياسية ناجمة عن ظروف وأجواء لا تختلف إلا من ناحية جرعتها الزائدة عن الظروف والمناخات التي كتب ساباتو على ضوئها مؤلفه هذا الصغير بحجمه والكبير بمفاعيله.