(تتشكل هوية الإنسان من مجموعة تجاربه الشخصية، التي تعكس رؤيته لنفسه وللعالم الخارجي)، نظرية في علم النفس، يتجلى معناها في لوحات معرض (تسييل الكينونة) للفنان اللبناني شوق يوسف، الذي افتتح مساء أول من أمس في غاليري (غرين آرت) بمجمع السركال في القوز.

تقترب مواضيع لوحات يوسف في معرضه الذي يستمر حتى ‬4 يونيو المقبل، من الملاحم الأسطورية القريبة أجواءها من ملهاة دانتي، على صعيد عذابات الإنسان الداخلية حيناً، وتخيلاته وأحلامه حيناً آخر. وجميع شخوص لوحاته غائبة الملامح وأبعد ما تكون عن الثبات، ومفتوحة على احتمالات الشخصيات الخفية التي يحملها كل فرد في داخله، والتي لا تتكشف إلا عبر تجربة أو حالة ما. وكما هي احتمالات الوجوه المتعددة للوحاته، فإن كل زائر يقرأ احتمالاته بصورة مختلفة.

واللافت للانتباه في أعماله أن قراءتها تأخذ بعداً مختلفاً في كل مرة، تبعاً للمسافة التي تفصل بين المشاهد واللوحة، وزاوية النظر إليها. وأكبر مثال على ذلك لوحته الأفقية التي تضم أربعة شخوص من عوالم مختلف، والتي توحي للمشاهد لأول وهلة أنها تطل عليه بتردداتها من عالم السراب الصحراوي. وكلما أمعن المشاهد فيها قرأ احتمالات جديدة تكاد لا تنتهي فلا يعرف إن كان ما يشاهده ينتمي إلى عالم سريالي أو ضبابي، فتارة يرى الشخوص تطفو على مستنقع تعلوه الطحالب وتارة أخرى يراهم في جوقة رقص صاخبة، ومن بينهم تطل نافذة للهروب من الزمن.

كما تعامل يوسف مع الألوان بحساسية فائقة، قريبة من شفافية المائي في أجواء أثيرية اعتمد فيها على اللون الأصفر البارز في معظم لوحاته كرديف للنور، مع ميل إلى الاختزال والتبسيط في التكوين والألوان. معتمداً في رسم موضوعات لوحاته على العفوية والإلهام الداخلي، الذي ينطلق من رسومات (الاسكيتش) على الورق المقوى لتبدو شخوصه الاسطورية بألوانها المتقشفة كدون كيخوته والمفكر وغيرها، إلى اللوحات الجدارية الضخمة.

قال يوسف لـ (البيان) عن أسلوبه في الرسم، (العفوية التي أعتمد عليها في الرسم، ليست عفوية عبيثة بل ناضجة، فهي مبينة على أرضية متمكنة من اتقان فنون الرسم الواقعي أولاً، وثقافة الحياة ثانياً.

وأحاول بصورة دائمة أن أتحدى نفسي وقدراتي بتجاوزها. أما في ما يتعلق برسم شخوص لوحاتي، فأنا أعمد إلى تفكيكها كلما اقتربت بها من الرسم الواقعي، لأرى ما يكمن من احتمالات خلف الصورة الخارجية.