نظم النادي الثقافي العربي في الشارقة أمس الأول أمسية شعرية ألقى فيها الشاعر أنور الخطيب مجموعة من قصائده، وقدم للأمسية الشاعر محمد إدريس بالحديث عن تجربة الخطيب بوصفها تجربة ناضجة استطاعت أن تؤسس خصوصيتها عبر سنوات متواصلة من العطاء والدأب، أثمرت دواوين (مزايدات) و(مطر في موسم البرتقال) و(خازوق) إلى جانب عدد كبير من الروايات والدراسات الأدبية.
أنشد الخطيب (مفردة واحدة لحبيبيتي.. إلى أمي دائما) و(لطالما حلمت) و(أكون كما أكون) و(كوابيس) و(تحية لمحمد البوعزيزي) و(مري كالغريبة بي)، وكشفت تلك القراءات عن تجربة واعية صيغت بعناية شعرية كبيرة عبر الصور التي تأتي من وحي صناعة لغوية وأيضا مفارقة «جوانية» لصيقة بالبناء الشعري الذي يلخص تجربة الخطيب بوصفه يعبر عن آلام الغربة والتشرد، ويهتم بتحري تفاصيل أكثر من حادثة، وأكثر من مكان اكتوى من أهوال الحاضر، لكنه بكل تأكيد يقفز على الجرح ويتسلح بأمل كبير.
يقول الخطيب في (لطالما حلمت)
(لطالما حلمت..
أن يكون نهاري مدى
أسير في جباله مثل ناي
أطلق الطيور في نداي
أحرر الظلال من التلال
أنقذ الفراشات من ضربة شمس
أقابل ريفية معطرة بالزيزفون
أقفز من أرض لأرض
بخفة الظبي الحنون)
إلى أن يقول:
(أمر بلافتات الحدود بابتسامة الجدود
دون أن يفتش الصحاب ذاكرتي
دون أن تشمني الكلاب
لطالما.. حلمت).
الأرق بوصفه حالة تعبر عن عدم استقرار نفسي ووجودي، بل ويعبر أحيانا عن قلق مستحب تتجلى فيه شعرية الشاعر، هو من الحالات التي جسدها الخطيب في قصيدته (كوابيس)، هو أطلق الكوابيس من حالتها الراكدة إلى فضاء التجسيد الشعري على شكل (محاورة شعرية)، هو نوع من الأنسنة التي أيقظت هذه الكوابيس، فبدت ملحاحة (كثورة بيت الدبابير في القيظ)، وبدت سادية، فلم تستجب لنداء الشاعر الذي آثر مهادنتها ومصالحتها وتطبيع العلاقات معها فيقول:
(الكوابيس يعتريها - مثل كل الكائنات -
شبق لا ينتهي، ولا يبتدي،
تلح كثورة بيت الدبابير في القيظ،
لم تجد الكوابيس سواي
كي تمارس سادية الطنين
قلت أحاورها، ربما تترك لي غفوة
أوثثها بالسبات القليل،
فلم تستجب..
قلت أدللها، فربما تغض الطرف
عن مساحة بحجم عيني،
فلم تستجب..
قلت أصالحها، فربما تمنحني غطاء
أرتب تحته - إلى حين-غربتي
فلم تستجب
قلت أطبع العلاقات، فربما تمنحني
وسادة على ساحل الغفو،
فلم تستجب..
قلت أبيع نفسي لها فوافقت،
إلى أن يقول:
ألقت ظلالي خارج الليل والنهار وقالت:
نم الآن، فقلت: لم أعد كائناً حتى أنام
أعيدي لي القلق الذي أحب، فلم تستجب..)
في ختام الأمسية التي حضرها د.شبر الوداعي عضو مجلس إدارة النادي السابق كرم والدكتور عمر عبدالعزيز الخطيب وسلمه شهادة تقديرية.
