تحولت ساحة مبنى قرية البوابة في مركز دبي المالي العالمي، مساء أول أمس، إلى تظاهرة فنية موسيقية، حيث احتفت مجموعة صالات العرض الفنية فيها بالزوار الذين كانوا ينتقلون من صالة إلى أخرى بين التشكيل والتصوير الضوئي والنحت والفنون البصرية الأخرى.

ويحسب لهذه الصالات مبادرتها تلك بالتعاون مع مركز دبي المالي العالمي، لتنظيم هذه التظاهرة الفنية بهدف استقطاب أكبر عدد من الزوار والمهتمين بالشأن الفني من مختلف الجنسيات، ليتحول المكان إلى ما يشبه الكرنفال الفني. وما أضاف إلى بريق الأمسية تزامنها مع افتتاح عدد من الصالات لمعارضها الجديدة، التي شكلت فيما بينها ما يشبه بانوراما لفنون ثقافات وشعوب مختلفة من الشرق والغرب.

منحوتة الإشارات

أول ما يلفت انتباه الزائر لدى دخوله الساحة، العمل النحتي المعدني (الباء في الشارع ‬2)، الذي يحتل مركز الساحة، ويجمع هذا العمل بين مختلف إشارات وإرشادات المرور وإنارتها، لتنطلق أعمدتها من نقطة المركز لتتوزع بمختلف اتجاهات الساحة، ويبلغ ارتفاع هذا العمل للفنان الأميركي براد داوني، في صالة عرض (كوادرو)، ما يقارب من أربعة أمتار، بعرض يقارب الخمسة أمتار، وبمحيط دائرة.

الصين وما بعد

ما إن يتجاوز الزائر هذه المنحوتة، حتى تواجهه صالة عرض (أوبرا) الضخمة، التي احتفت بتقديم أبرز أعمال خمسة من نخبة الفنانين في الصين، حيث طبعت الغاليري نسخا محدودة فائقة الجودة، لأفضل ‬20 عملاً اختارها الفنانون من أبرز أعمالهم خلال رحلتهم الفنية، لتقدمها بأسعار منافسة مقارنة بقيمة ما تباع في سوق الفن العالمية. وتجمع الأعمال المعروضة ما بين مرحلة ثورة الصين الثقافية وما حملته من آثار نفسيه على شعبها والزمن المعاصر، وأغلبها في الفن الواقعي.

نغم الإيقاع

ينتقل الزائر بعد ذلك إلى ثقافة مختلفة، في صالة (أيام) التي تقدم أعمال الفنان السوري مطيع مراد، الضخمة، والتي يتوسط كل منها مساحة جدار بأكمله. وفي محيط هذه الأعمال يعود الزائر إلى الفن التجريدي الهندسي، الذي يعتمد فيه على الألوان في خلق إيقاع يختلف من لوحة لأخرى، حسب تماوج الشرائط اللونية وتداخلها أو تقاطعها بأبعاد هندسية، تدفع المشاهد تارة للتأمل، وأخرى للإبحار في محيطات مجهولة، أو الشعور بالحيوية والفرح لإيقاع نغمات يخالها تنبعث من اللوحة.

تساؤلات البراءة

بالانعطاف إلى اليمين، يدخل الزائر صالة (آرت سبيس)، لينتقل عبر الوجه الطفولي في اللوحة الأولى، إلى القضية الفلسطينية، حيث يحمل الوجه البريء الذي ينظر إليه من الأسفل، آلاف التساؤلات التي لا تعينه براءته على فهم دوافعها. ومن خلال وجه الطفل وجدرانه العملاقة، يلتقي الزائر مجدداً بأعمال الفنان الفلسطيني الأصل هاني زوراب، في أحدث نتاج له بالألوان الزيتية، وذلك إلى جانب الفنان الجزائري الأصل كامل يحياوي، الذي استبدل لوحة الكانفا بالسجادة، لاستعادة ذكرى الذين فارقوا الحياة. والفنان المصري الأصل جورج باهغوري، الذي اشتهر بفن الرسوم المتحركة، والفنانة البريطانية هارييت لوغان التي عرضت مجموعة من الصور، عن نساء من أفغانستان، وجميعها بالأبيض والأسود، علماً أن نساء صورها قد تحولن بمساعدتها، إلى نساء قويات لهن مكانتهن ودورهن في المجتمع.

تداعيات الروح

في صالة (الربع الخالي)، يبدأ الزائر رحلة جديدة من التصوير الضوئي إلى فن الكولاج والطباعة الرقمية، مع الفنان الفلسطيني الأصل ستيف سابيلا، الذي يقدم من خلال معرضه، رحلته الداخلية في البحث عن هويته الإنسانية التي انطلقت من صور أفنان الشجر لعمقه الداخلي، إلى تفتح الروح وتحررها التي أسماها (النشوة)، مترجماً تلك المرحلة بفن العنصر الزخرفي، معتمدا على كولاج صور المرحلة الأولى، لتبدو أعماله في هذا الإطار كفن الموزاييك أو فسيفساء الطبيعة بجماليات ألوانها وعناصرها، ليصل بعد ذلك إلى مرحلة جديدة من الإبداع، حيث تتخذ العناصر الأساسية وما بعد الكولاج، سياقاً جديداً يعصف بكل ما تحويه الذاكرة من أفراح وأتراح، ليعيد صياغته برؤية فنية تحمل الكثير من الجماليات على صعيد اللون وإيقاع الحركة.

أنجلو وأثيير

في المحطة الأخيرة في صالة (كوادرو)، يتعرف الزائر على أعمال مجموعة من الفنانين من جنسيات مختلفة، ويتميز كل منهم بتجربة غنية وأسلوب متفرد، كالفنانة الإيرانية الأصل غيتا ميه التي قدمت (مجموعة مايكل أنجلو ‬1983 - ‬2011)، وجمعت فيها بين لوحات أنجلو المطبوعة وريشة فنها المعاصرة، والفنان العراقي الأصل أثيير الذي تحفل أعماله بالكثير من الجماليات، سواء في تكوين عناصر اللوحة أو ألوانه، ويقارب أسلوبه من أسلوب الفنان العراقي ضياء العزاوي.

(ملك الطيران)

تتوسط منحوتة الصقر المعدني، مدخل صالة عرض (أوبرا)، ولا يملك المشاهد أمامها إلا الإحساس بالدهشة والإعجاب، أمام جماليات هذا العمل الذي حول فيه النحات الفرنسي بيير ماتير، خامة المعدن إلى ما يشبه الرخام بلونه الزيتي المعروق، وجناحيه المشرعين إلى السماء بريشه، وتزداد دهشة المشاهد عندما يعلم بأن هذه المنحوتة مصنعة من مواد إعادة تدوير البيئة.