أكد الدكتور والناقد المصري حسن طلب، أن مصطلح «الشعر الثوري» عاد للظهور من جديد على الساحة الثقافية، نتيجة الموجات الثورية التي توالت في عالمنا العربي. جاء هذا في مستهل محاضرته «شعر الثورة أم ثورة الشعر؟»، التي ألقاها مساء أول من أمس، في المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة، في أبوظبي بحضور المدير التنفيذي للمركز الشاعر حبيب الصايغ رئيس مجلس ادارة اتحاد كتاب وادباء الامارات، وعدد من المهتمين.
استهل الدكتور طلب محاضرته:« سأركز على التمييز بين الفن الثوري وفن الثورة». واستشهد بـهربرت ريد الذي رأى أن الفن الثوري عليه أن يكون ثوريا، فهناك التباس يحيطه، لقبوله عدة تفسيرات قد تبعد عن المقصد. واضاف : «بوسعنا أن نستبعد على الفور، التفسير الركيك لتلك العبارة، على أنها توصية برسم الأعلام الحمراء ذات المطرقة والمنجل والأشياء الثورية الطابع».
بين التبعية والاستقلالية
ولفت طلب في محاضرته، إلى انه يظن القارئ أن (ثورية الفن) رهن بالشأن السياسي، ولكنها (ثورية) تجعل من الفن تابعا أمينا للأحداث السياسية والثورية. وتابع : «بحسب ريد، إذا أردنا أن نفهم (ثورية الفن) بصورة تحفظ للفن استقلاله الذاتي. فالمفهوم يعاني كثيرا لدينا من سوء فهم وتخليط. ويتعدى الخلط لبعض كُتّابنا ونقادنا الكبار، ممن دفعتهم الحماسة الثورية السياسية إلى ترويج نموذج للكتابة الشائعة عن صلة الفن بالثورة منذ 1952، وهى كتابة تروج أن الفن لا يثور إلا عندما تتهيأ ثورة سياسية أو اجتماعية تنقل إليه عدوى الثورة».
وأكد المحاضر ان هذه الرؤية، تتوافق مع المنطلق السياسي، وليس الفني والجمالي، وتتجاهل استقلال الفن الذاتي، مثلما يشير الفيلسوف الإيطالي أنطونيو بانفي، وتغض النظر عن الطاقة الثورية الذاتية المميزة للفن، بمعزل عن أي مؤثر خارجي مباشر، فهو القوة التطورية والثورية الوحيدة، لقدرته على تعرية أعمال القمع بالنظم الاجتماعية البالية، كما يعبر جوزيف بويس، لنجد أنفسنا بمواجهة رؤيتين للفن الثوري، إحداهما تجعل من الفن خادما تابعا للأحداث السياسية، فهو يستمد (ثوريته) منها، أما الأخرى فتؤكد أن الفن لا يتصف حقيقة بالثورة، إلا إذا كانت نابعة من داخله.
فن الثورة
وبين حسن طلب، أن استقلال الفن الذاتي، لا يعني انفصاله عن السياسة: «يقال إن مجرد القيام بعمل فني في عصرنا، هو عمل سياسي، وقد قال فرنسيس كلينجندر،المفكر الماركسي( إن الفن ليس مجرد مرآة تعكس الواقع الاجتماعي، بل عامل ثوري من عوامل تحويل هذا الواقع، من غير أن يخضع لقيود العقائد الجامدة، ودون الحاجة للاستدلال المنطقي والتحقيق التجريبي، وهو ما يجعله قادرا على التفاعل مع أي تغيير في جوانب الوجود الأساسية».
وأشار طلب، إلى ان السياسيين لا يرون بالفن إلا مجرد وسيلة دعاية، مطلوب منها أن تنشر أفكارهم وتبارك سياستهم، وإلا أصبح الفن مغضوبا عليه. وكان معظم الفنانين الماركسيين دعائيين. وكان ريفيرا من الماركسيين القلائل الذين عارضوا السياسة الستالينية، حيث قال: أود أن أكون في سائر ما أكتبه، وسائر ما أرسمه، استخدام فني سلاحا. ومن هنا أكد المحاضر انه ليس بوسع الفن أن يثور قبل أن يمتلك ناصية أمره، ويكف عن أن يكون مجرد سلاح تُخاض به حروب ليست حروبه الحقيقية، ويُستخدم في معارك لا يُحسب له فيها نصر ولا هزيمة.
السياسة للفن
وأشار طلب الى النظرة الدونية للفن في علاقته بالسياسة، إذ لا تسود في النظم الشيوعية وحدها، بل تكاد تكون قاسما مشتركا بين النظم السياسية، وتكشف لنا مواقف مشاهير الساسة على اختلافهم، في عدائهم لاستقلالية الفن، ولفكرة حرية الإبداع من دون القيود السياسية. وفي هذا الشأن يتحدث دونديرو عن خيوط مؤامرة وتفاصيلها، تفيد بأن الفن الحديث استُخدم سلاحا في قبضة الثورة الروسية منذ عام 1914، من أجل هدم الحكومة القيصرية، فلما تم له هذا ونجحت الثورة عام 1917، توقف الفن عن أن يكون سلاحا، ليصبح أداة دعاية. ولفت المحاضر إلى أن الفن الذي قصده دونديرو هو ما تمثله الطليعية الحديثة، مثل التكعيبية والمستقبلية والدادائية والتعبيرية والتجريدية والسوريالية وغيرها، حيث قال: «سلاح الثورة الروسية، نقل إلى التربة الأميركية، فتسلل وتغلغل في الكثير من مراكز الفن عندنا، مهددا بقهر الفن الجميل، وهيمنة ما سمي بالفن الحديث».
وفي إطار سرده للعديد من الأمثلة أشار المحاضر، إلى انه لم ينس هتلر في الكلمة التي افتتح بها معرض الفن الألماني الكبير، تأكيد الموقف السياسي الثابت من تيارات الفن الحداثية.
وتابع المحاضر: «لقد أصبحت الصورة واضحة، لنرى كيف أن رجل السياسة لا يريد على الإطلاق ثورة في الفن، ولحساب الفن، بل يريد فنا للثورة، وأي موقف مغاير، سيجد نفسه متورطا فيها مع السياسة».
بين نوعين
واستعرض طلب قضيتين رئيسيتين في هذا الخصوص، وهما: الحزبية والثورية. وبين انه في الأولى تتفق سائر الأطراف على طبيعة الهدف الاجتماعي المراد تحقيقه، وتختلف على الخطوات السياسية المؤدية إليه. وهنا يحاول كل حزب من الأحزاب المتنافسة أن يقنع أفراد المجتمع عن طريق الاحتكام إلى العقل والمنطق، بأن سياسته الحزبية أكثر ملائمة لتحقيق الهدف المنشود من غيره، وهنا لا حاجة للفن، وإنما تنشأ الحاجة بالنوع الثاني، أي(القضايا الثورية) التي يكون الخلاف فيها دائرا حول الأهداف أو الغايات البعيدة. فنكون أمام صراع أيديولوجيات، لكل فنها الذي يروِّج لها، وهذا يعني أن الفنان لن يستطيع أن يبدع خارج نطاقها.
ورأى طلب أن «ثورية الفن» تبدأ بالفصل بين الثوري بمجال السياسة، والثوري بمجال الفن، لنفهم كيف يكون الإنسان ثوريا بالمعنى السياسي، دون أن يكون ثوريا بالمعنى الفني، والعكس أيضا صحيح.
نبذة
الدكتور حسن طلب، باحث وأديب. حاصل على الليسانس والماجستير والدكتوراه في الفلسفة من جامعة القاهرة. وهو عضو لجنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة، عمل مشرفا ثقافيا في جامعة القاهرة، ونائبا لرئيس تحرير مجلة (إبداع).
كما نال جائزة الدولة التشجيعية في الآداب من المجلس الاعلى للثقافة في عام 1990، وجائزة كافافيس اليونانية للشعر في عام 1995، وجائزة السلطان قابوس للإبداع الثقافي في عام 2006 .
