بين الظهور والاختفاء، تتوالى فصول سيرة الشاعر اللبناني جودت فخر الدين، فوق صفحات ديوانه الجديد «فصول من سيرتي مع الغيوم»، الصادر أخيرا، عن دار رياض الريّس في بيروت، وذلك تماماً كغيوم تذروها رياح القصيدة بعيداً وعالياً، عاكسةً حنيناً دفيناً لوصل ما انقطع مع عالم الطبيعة، ومعانقةً براءة أولى مفقودة، يسعى الوعي لاستعادتها، ولكن دائماً بعد فوات الأوان.

وفي مجموعته التاسعة، وكعادته، ينطلق صاحب (أوهام ريفيّة) من ثيمة رومنطيقية مألوفة، تتمثّل في استنطاق العلاقة المرآوية بين الذّات والطبيعة، واستكشاف الجدلية القائمة بين الجسد والروح، بقصائد يكتنفها حنين بدائي عارم للعودة للمهد الأوّل، واستعادة عبق براءة مفقودة سقطت ببراثن الزّمن. ولأنّ السيرة المتخيّلة غير محكومة بمنطق الحدث وعناصره، يكتفي الشاعر باستحضار لحظات عابرة وطارئة، لا تكاد تكتمل أو تتبلور، حتى يتبدّل شكلها وماهيتها، كالغيم العابر تماماً، الذي يتماهى معه الشاعر.

ويتابع تجربة اتسمت منذ البداية، باحتفاء الشعر بالخارج، احتفاءه بالداخل، ويسعى إلى قول الشعر بلغة تجمع بين النثر والشعر في آن، ما يجعل شعره عبارة عن سيرة ذاتية تتقاطع فيها الحياة الشخصية مع الأمكنة مع التأمل الذاتي على درب الحياة، ما يضفي على القصيدة وحدة لافتة: وحدة الجو والتصميم شبه الهندسي والفكرة. وإذ لا يراقب الحياة من الخارج، بل يدسّ نفسه بين مفرداتها، فهو يبتكر مفارقة شكليّة بين قامته المديدة وشجر الحور تارة. وفي اخرى يعقد صلات استعارية بين عبور الغيوم وعبور الكائن. وأما قصيدة (فصول من سيرتي مع الغيم)، التي أعطت الديوان اسمه، فهي تتوالد من بؤرة دلاليّة واحدة، تهيمن عليها استعارة الغيوم، التي تدوّن فصولاً من سيرة هذا المتكلّم الحالم، الهاذي، الناظر إلى غيوم لا تكفّ بدورها عن النظر إليه.