تختتم غاليري ميم بالجزء الخامس والاخير من معرض (الفن في العراق اليوم)، سلسلة المعارض التي قدمت من خلالها أعمال مجموعة من الفنانين العراقيين المعاصرين الذين يعيشون في المنفى، والمهداة إلى ذكرى الأديب والناقد والمترجم العراقي جبرا ابراهيم جبرا (1920 ـــ 1994) حيث استمِدَ عنوان المعرض من مقالته (الفن في العراق اليوم). ويُحسب للفنان العراقي ضياء العزاوي (1939) القيّم على المعرض الذي يعتبر بيكاسو العرب، دوره الريادي بالتعاون مع غاليري ميم في التعريف بأعمال هؤلاء الفنانين المشتتين في مختلف بلدان العالم، وتوثيق تجربتهم الفنية.
رؤية إنسانية
قدم الجزء الخامس من المعرض الذي افتتح في نهاية الأسبوع الماضي ويستمر حتى نهاية شهر مايو المقبل، أعمال ثلاثة فنانين من مواليد أوائل الستينات وهم: حليم الكرم الذي شارك بخمسة أعمال ضخمة في التصوير الفوتوغرافي الرقمي حيث تناول العالم الداخلي للإنسان، وعلي جبار الذي شارك بأربعة أعمال في مفهوم النحت المعاصر المستمد من العمارة برؤية إنسانية تعكس علاقة الإنسان بالمكان، ومحمود عبيدي الذي شارك بتسعة أعمال في إطار الفن التشكيلي والكولاج والطباعة الرقمية الذي تمحور حول جمع ذاكرة الاغتراب.
حوار العيون
في الجناح المخصص لصور الكرم، يدرك المشاهد خلال جولته بينها، لغة الحوار الخفية التي تنشأ بينه وبين أعين الوجوه الضبابية التي تهيمن عليه، فلا يملك إلا أن يقف أمام كل عمل ليستمع بروحه للحوار الصامت، المحمل تارة بالتحدي والعزيمة كما في لوحته الثلاثية (شاهد من بغداد 1) التي تبرز صلابة روح الإنسان الذي يأبى أن تنكسر روحه على الرغم من جميع الانكسارات، وتارة بالألم، وأخرى بمشاعر الحب الداخلي الذي لم يجد له منفذاً سوى في العينين مرآة الروح. وتترك صورته الثلاثية الضخمة (حرب خفية) أثراً كبيراً بالنفس خاصة وأنه اعتمد فيها على الأبيض والأسود، حيث تحاول الحرب تجميل نفسها من خلال تخفي وجهيّ المسخيّن خلف جمال وجه براءة الطفولة الذي يتوسطهما.
شتات الذاكرة
ويعيش المشاهد مع أعمال عبيدي حالة مختلفة، لكأنما يحاول الفنان أن يجمع شتات ذاكرة المنفى والاغتراب ومعاناة صاحبها بين ذكريات الماضي ومعاناة المحاضر المرتبطة حيناً بالهوية، وحيناً آخر بالأنظمة، وحالة البرود الذي يعيشه المغترب في عالم بلاستيكي لا عمق فيه كما في لوحة (32 غيغا بايتس من ذاكرتي) التي تحمل صفوفاً من الورود البلاستيكية المكررة بلا أية أغصان أو أوراق والتي لا تحمل أي طعمٍ أو رائحة، إلى حالة المواجهة بين الأبيض والأسود على خلفية عذابات وآلام الإنسانية كما يتجلى في لوحته (30 غيغا بايتس من ذاكرتي).
وبانتقاله إلى جناح جبار يعود المشاهد إلى حاضره، ليرى في عمارة وتشكيل كل بيت صدى لمشاعره، ففي البيت الأول (إحساس ما قبل الحدث) تتراكب قطع الأثاث على بعضها البعض يعيش حالة الترقب لمرحلة جديدة والارتحال وما يكتنفها من فوضى في المشاعر، وأمام بيت (دعوى زائفة) يجد الزائر نفسه في مواجهة بين أناقة وثبات البيت الظاهري مقابل هشاشة وصدى فوضى لعالم البيت الداخلي الذي داخله الإنسان.
المعارض السابقة
شارك في الأجزاء الأربعة السابقة من المعرض التي بدأت في شهر أكتوبر الماضي، نخبة من الفنانين العراقيين المعاصرين الذين لاقت أعمالهم صدى في منفاهم والبلدان الأخرى وهم كل من مضير أحمد ونديم كوفي وهنا ملاّح في الجزء الأول، وغسان غيب وكريم ريسان ونزار يحي في الجزء الثاني الذي أقيم في شهر نوفمبر من العام الماضي، والأعمال الأخيرة لهِمّت علي وعمار داوود ودلير شاكر في الجز الثالث، وضياء عزاوي ورفا النصيري وعلي طالب في الجزء الرابع). وتقدم كتيبات كل جزء من المعرض نبذة عن السيرة الذاتية لكل فنان مع صور من أعمالهم المعروضة.
