بعيداً عن إطار سرد الحكايات أو التدوين، تحيي كل من: كوزيت ابراهيم وسهى بشارة، في كتابهما المشترك «أحلم بزنزانة من كرز»، معاناة اختبرتاها في المعتقل عينه: (معتقل الخيام في جنوب لبنان)، وتتجاوزان الحكاية الفرديّة لتصلان الى العمق المشترك لكل تجربة اعتقال في هذا المعتقل، وربما في كل معتقل، وتحديداً لجهة ما تتضمّنه هذه التجربة من مفاجآت: مفاجأة الحياة أولاً، ومفاجأة الاستمرار بها إثر توقّع الموت المحتوم، ومن ثم مفاجأة البحث عن المتعة والتواصل رغم حياة الاعتقال، وربما أيضاً البحث عن الرغبة.
ابتسامة مقاومة
«أحلم بزنزانة من كرز». وهذا الحلم يحمل تضميناً يتمثّل بتمسّك المناضلة الحالمة بعملها المقاوم الذي قادها إلى الزنزانة، إذ إنّها لم تتخيّل نفسها خارج القضبان ولم تتطلّع إلى أن تعيش خارج الزنزانة، ولم يُسجّل اللاوعي المنعكس لديها عبر حلمها، أيّ ندمٍ أو تحسّر، وإنما كلّ ما أرادته أن تكون زنزانتها «من كرز»، لما تركته في نفسها حبّات الكرز القليلة اللذيذة التي اقتحمت زنزانتها: «كرز في الزنزانة الرقم سبعة، التي بالكاد تتسّع لأمدّد فيها جسدي وأستطيع أن ألمس جدارَيْها المتوازيين بيديّ في آن واحد، ولو فكّروا أن يعطوني صندوقاً من الكرز، لما وجدت له مكاناً أضعه فيه.. لا يمنع أنني تمنّيت لو تُملأ زنزانتي تلك كرزاً. عندما وصلتني مع طعام الغداء حبّات الكرز القليلة تلك، في عامي الثالث في ذاك المكان ارتسمت على وجهي، ابتسامة كتلك التي ننهي بها ضحكاً كثيراً».
أقصى مدى
وحكاية هذا الكتاب، الصادر، أخيرا، عن «دار الساقي للطباعة والنشر»، في بيروت، تعود إلى عام 2006، بعد قيام الإسرائيليين بتدمير معتقل الخيام، فبدا لهما هذا الكتاب ضرورة لملء فراغ الذاكرة ومحاولة لسبر معنى المعتقل، أو منح الحياة فيه معنى ما.. علماً أن سهى بشارة اعتقلت إثر محاولتها اغتيال قائد «جيش لبنان الجنوبي» أنطوان لحد، وأمضت عشرة أعوام في معتقل الخيام، ستّة منها في حبس انفرادي. وأن كوزيت ابراهيم هي الصحافية التي أمضت عاماً في المعتقل قبل أن يُفرج عنها مع باقي الأسرى، يوم التحرير في 22 مايو من العام 2000.
وفي الكتاب الحادّ في ريفيّته والذي تغيب عنه المدينة بالكامل، لا بدّ للقارئ من أن يجد فيه خبرة المعتقل شعريةً متجردةً من النرجسية.. وما يحيل العيش ممكناً هو حضور الألوان والطبيعة والفصول، حتى الموت نفسه يصبح ظلمة بين سماء زرقاء وأشجار خضر. أما الحرية، فهي وقوف على الشرفة أو سير في بساتين لا تنتهي.
عالم عضوي
أما ما تكشفه تجربة الاعتقال عن السجن نفسه، فهو أنه، أي مكان الاحتجاز، يقيم في من يسكنونه كَرَهاً، على حدَّي التواصل والغفلة. فعالم الاعتقال مفعم وطافح بشفرات التواصل (الأغاني، الحديث الهامس، مخابئ الأغراض، مجموعة الإشاربات المربوطة التي تنتقل من شباك إلى آخر، قسطرة المجلى المُتَّخَذة هاتفاً.. الخ)! بل إن بعض التواصل يتخطّى الشفرة ليصبح عضوياً بالكامل ...: «الهواء عند تلك النافذة كان ثقيلاً، يحرّك حزننا، يمطّه، يقلّبه، لكنه لا يحمله أبداً».
«سبحة» و«خيط»
يحتوي الكتاب، والذي يخلو من ثقل الشعارات، على صور للأشغال اليدوية المتنوّعة التي تمّ إنجازها في المعتقل، رغم عدم توافر أي مواد أوليّة فيه: (قبل إدخال الخرز والإبر والخيوط إلى المعتقل، من قبل الصليب الأحمر الدولي)، إذ كانت (السُبحة) تُصنع من بذور حبّات الزيتون التي تُقدّم مع وجبة الفطور و(الخيط)، يؤمّن من الخيوط الموجودة في الفرش والأغطية المهترئة، كما أنّ إبرة التطريز صنعت من أعواد (ربطة) الخبز البلاستيكية، ومن ثمّ من دبوس الشعر الذي أُدخل خلسة إلى الزنزانة، مع إحدى المعتقلات.
