في أيامنا هذه من الصعب أن تجد صديقاً أو صديقة يصدقون ويفون بوعودهم معك. وكذا يبادلونك المشاعر الأخوية ويهبونك الحب ويعوضونك عن الحرمان ويغطسونك بالحنان. تعودنا في كل صباح ومساء، أن نكون صداقات جديدة.
ولكن لا تفلح كل الصداقات في أن تكون حقيقية، فأغلبها وهمي مبني على أساسات مهزوزة، الهدف من ورائها كسب المصالح التي سرعان ما تنتهي وتتبخر كما السراب. وباتت مهمة البحث عن الصديق الحقيقي مهمة صعبة، أو بمعنى أصح مهمة شبه مستحيلة، فأنت عندما تنوي البحث عن صديق بمعنى الكلمة، ستكون كما الإنسان الذي يبحث عن إبرة في كومة قش، فلا يمكنك التأكد من هوية الصديق، إلا بعد تجارب ربما تكون في بعض الأحيان، أقرب إلى التجارب النووية، لأنها تعتبر تجارب جوهرية.
وللأسف الشديد في أيامنا هذه، هناك أناس يبحثون عن أصدقاء وهميين ليبيعوهم الكلمات المعسولة والمنمقة والمحشوة بالمكسرات المصطنعة والمغموسة بعسل اللعاب البشري، ويعتبرونهم خير الأصدقاء وخير خلق الله، وأن المولى عز وجل أرسلهم كي يكونوا مثالاً واضحاً على الصداقة الجوهرية! ولكنهم سرعان ما يصدمون بعد أن تسقط الأقنعة وتنكشف الوجوه المزيفة وتشرق الشمس و«يذوب الثلج ويبان المرج».
هنا سيتساءل المتسائلون، وسيفكر المفكرون، وسيبحث الباحثون، عن الحقيقة المرة في الوجوه البشرية المصطنعة التي يتظاهر بها ضعاف النفوس، ويقفون حائرين عند سبب ارتداء البشر لمثل هذه الأقنعة المزيفة التي تضر ولا تنفع. إن الإجابة عن حقيقة الوجوه تعتبر بحد ذاتها صعبة وبالوقت نفسه مستحيلة. وفي بعض الأحيان أقرب إلى الخيال. وفي أوقات أخرى قد تكون كما السراب، تبتعد كلما اقتربنا منه، أو حاولنا الوصول إليها.
