ليس بالضرورة أن تكون عيون الآخرين حاقدة مليئة بالحسد. أحيانا قد تكون كذلك. أنت لا تستطيع أن ترى نفسك. هذه ليست جملة صحيحة، فكثير منا يقضون نصف عمرهم يحدقون في صورتهم المعكوسة على مرآة، لكن هل ما تراه هو أنت، أقصد هو أنت بكاملك؟ قد أجيب عن هذا السؤال بسؤال آخر هو؛ ما أنت؟.. وهذا سيدخلني في متاهات أنا في غنى عنها، ونحن أحيانا نحب الدخول في متاهات وتحديها، خاصة إذا كانت من صنعنا. مرة أخرى، هل ما تراه هو أنت؛ هو أنت، كلك؛ كل ما فيك؟ قد تكون هذه المرآة صغيرة لا تظهر سوى نصفك العلوي، وقد تكون مرآة كاملة؛ تظهر صورتك كلها.. وقد تعرف من هذه المرآة أن ما ترتديه غير مناسب أن شعرك يحتاج لترتيب وأن وجهك متعب جدا. وقد تكون هذه المرآة مكبرة فتستطيع أن ترى حبوب شباب صغيرة بدأت أن تظهر، وقد تستطيع أن ترى شعيرات شائبة تسرع لإخفائها في محاولة فاشلة لإبقاء الزمن كما هو كما تراه. لكن هل هذه الطريقة الوحيدة التي تستطيع أن ترى نفسك فيها؟ بالطبع لا؛ في أحيان كثيرة قد تلفت لزميل بجانبك متسائلا؛ هل يبدو وجهي متعبا؟ هل ما أرتديه مناسب؟، أحيانا تحتاج إلى عيون الآخرين لتستخدمها مرآة عاكسة.
مرة ثالثة؛ هل هذا هو أنت بكل ما فيك؟ ومن أنت؟... هل أنت ما ترتديه؟ هل أنت لون شعرك، لون عينيك، صفاء بشرتك؟ أنت كل هذا وأشياء أخرى كثيرة، أنت تصرفاتك، فكرك، مبادئك، أخلاقك، طريقة تعاملك، ما تملكه، ما تعطيه، ما تأخذه، ما تعرفه، ما تحاول أن تعرفه، ما لا تعرفه، ما لا تريد أن تعرفه. وفي هذه الحالة وحتى تعرف شيئا من نفسك المختفية هذه تحتاج إلى عيون الآخرين. هل نحن بحاجة إلى أن نعرف آراء الآخرين فينا، فيما نكونه فيما نفعله فيما نفكر به؟ وأي آخرين نستعير عيونهم، هؤلاء الذين نراهم لأول مرة، هؤلاء الذين لا يعرفون حتى أنفسهم، هؤلاء الذين تحركهم مشاعر غير سليمة؟ ولم إذا نريد أن نرى صورتنا المعكوسة في عيون الآخرين؟ هل نحن إلى هذه الدرجة غير واثقين من أنفسنا؟ هل نحن غافلون عن ما نكونه ما نمثله؟..
ليس بالضرورة أن تكون الإجابة عن الأسئلة السابقة؛ بنعم. أحيانا نبخس أنفسنا حقها؛ لأننا نريدها أن تكون أفضل دائما وننسى أن نعرف هذا الأفضل ونرسم حدوده، وأحيانا نطلب من هذه النفس أكثر من طاقتها ونعاديها ونظلمها ونبخسها حقها. وفي أحيان أخرى نكون حسني الظن بأنفسنا ونعطيها أكثر من حقها، وفي كلتا الحالتين؛ نحتاج إلى أن نسمع صوتا آخر يحدث هذه النفس بنبرة مختلفة عن نبرة صوتنا علها تسمع. وهنا نحتاج لعيون الآخرين الفاحصة، لكن عن أي آخرين أتحدث؟ عن هؤلاء القريبين الذين يملكون حكمة وسعة أفق وقلبا نقيا صافيا، عن هؤلاء الذين يفكرون فينا كما يفكرون في أنفسهم. عن عيون عادلة متوازنة.
