«المصنع الأمريكي».. نظرة على الصراع بين الثقافات

«قصة معقدة ومؤثرة في الوقت ذاته، تستعرض العواقب الناجمة عن التغيرات الاقتصادية المفاجئة، وتستحضر آثار الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم في 2008»، بذلك يمكن وصف طبيعة الفيلم الوثائقي «المصنع الأمريكي» (American Factory) من إخراج جوليا رايشرت، وستيفن بوغنار، الذي نعاين فيه الفروقات بين الثقافتين الأمريكية والصينية، لذا تشعر أن مشاهد الفيلم الفائز بأوسكار أفضل فيلم وثائقي، تكاد تتعدى حدود مصنع «فوياو أمريكا»، حيث تدور الأحداث، لتسلك طرقاً مختلفة، بعضها أمريكي الطابع، واخرى صيني المنشأ، تستعرض حكايات كثيرة عنوانها الطموح والأحلام، وتستشرف من خلالها طبيعة الصراع بين أكبر اقتصاديات العالم.

حكاية الفيلم جميلة، وتدور حول قرار تساو ديوانغ، رئيس شركة فوياو الصينية، الاستثمار في ولاية أوهايو الأمريكية، عبر إعادته فتح أحد مصانع جنرال موتورز التي أغلقت في 2015، ليفقد أكثر من ألفي عامل وظائفهم.

ذلك القرار كان كفيلاً بإن يعيد الحياة ليس للمصنع وحسب، وإنما لمئات البيوت، عبر توفيره آلاف الوظائف، التي أعادت تشغيل المصنع مجدداً، حيث تلتقي تحت سقفه ثقافتين، الفارق بينهما يكاد يكون شاسعاً، واحدة تتسم بـ «الالتزام» وأخرى تتباهي بـ «الثقة الزائدة»، الأمر الذي يضعهما على محك الصراع، في وقت تتطلع فيه إدارة المصنع، التي تتعامل وفق التقاليد الصينية، إلى جني الأرباح سريعاً، وهو ما لم يرق كثيراً للموظف الأمريكي، الذي يجنح إلى «الثورة» عبر لجوءه إلى محاولة «إدخال النقابة» في المصنع للدفاع عن حقوقه، وهو ما لم تتعود عليه ادارة الشركة في كافة مصانعها المنتشرة في الصين.

ورغم أهمية ما تطرحه جوليا وستيفن في الفيلم الذي يعد تجربتهما الثانية بعد (The Last Truck: Closing of a GM Plant) الصادر في 2009، لا يمكن أن يكون على قدر الجدل الذي عادة ما تطرحه أفلام المخرج مايكل مور، إلا أن ذلك لا ينفي محاولتهما تقديم نظرة متوازنة حول تأثير العولمة الاقتصادية في الولايات المتحدة والصين، في إشارة إلى ما يحدث على مستوى العالم، وذلك عبر استعراض قصص كفاح مختلفة، يرويها العمال بأنفسهم، تتلمس فيها الفارق بين الثقافتين، وما أحدثته الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم في 2008.

نجحت جوليا وستيفن في مشاهد الفيلم، في تبيان الفارق بين الثقافتين، وتأثير كل واحدة منهما في الأخرى، رغم حرص المستثمر تساو ديوانغ على إقامة مصنع يتوافق مع «القوانين» و«التقاليد» الأمريكية، ولكن ذلك لم يكن كافياً لإقناع الطرف الآخر.

اللافت في الفيلم الذي صيغ بطريقة مؤثرة، هو جنوحه نحو تصوير العمال الأمريكيين والمستثمرين الصينيين، وإظهار أوجه القصور الخاصة بكل جانب، وهو ما يساعدنا في القاء نظرة على طبيعة التفاوت بين البلدين، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو حتى الثقافي، ليبدو في ذلك إشارة خفية إلى طبيعة الطرق التي نعيش بها جميعاً، وطرق تعامل المستثمرين مع الطبقات، والتي قد تؤدي إلى تلاشي الطبقة الوسطى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات