رحلة جميلة، نمضي خلالها مع السعودي الراحل علي آل محيف، الذي خلف وراء ظهره «خمسون ألف صورة»، شكلت ذاكرة الناس من أبناء مجتمعه. عندما بدأ بجمع الصور بدافع الهواية، لم يكن يدرك علي أنه بذلك يقوم بحراسة ذاكرة الناس من الضياع، وأنه بذلك يبقي جذوتها مشتعلة، مانعاً دخولها لذاكرة النسيان.

قضى علي جل عمره في حفظ ملامح الناس من الضياع، إيماناً منه بأن «الصورة تحمي الذاكرة»، وأن كل صورة تحمل ملامح ذكرى معينة، فوراء كل صورة في أرشيفه الثري، تقف حكاية ما، وتخبئ ذكرى ما. بعض تلك الصور التقطت في زمن «الأبيض والأسود»، وأخرى لحقت العصر الحديث، فتزينت بالألوان، وبعضها كانت شخصية، توثق لملامح أناس مضوا نحو خاتمتهم، وأخرى تحفظ ذكرى مناسبة ما، جماعية وفردية وعائلية، ورابعة تجمع أصدقاء فرقهم الموت أو الزمن.

حكاية تلك الصور يسردها لنا المخرج السعودي عبدالجليل ناصر، في فيلمه «خمسون ألف صورة»، ذاك الذي يتمدد على 19 دقيقة، نستكشف فيها ذاكرة الناس، ونطالع ملامحهم، عبر حكاية شاب يلجأ إلى العم علي، للتفتيش عن صورة لوالده الذي فارق الدنيا، عندما كان صغيراً، أملاً بالعثور على صورة تمكنه من رسم ملامح والده في رأسه، وذلك بعد أن فقدت أمه كافة الصورة التي أتلفت على يد أحدهم، متبعاً بذلك فتوى «تحرم الصور واقتنائها»، التي أطلت برأسها في مطلع الثمانينات، لتغير الكثير من المشهد العام، حيث أفقدت الكثير من الناس ذاكرتهم، بعد تخلصهم من أرشيفهم المصور.

لا يحاول عبدالجليل في مشاهد فيلمه مغادرة حدود إطار الصورة الفوتوغرافية، بدءاً من مشهد الافتتاح الذي يدخلنا على غرفة «تحميض» الصور الفوتوغرافية، ومروراً بعشرات الصور التي تحملها جدران الغرفة، والألبومات المكدسة، فيقدم لنا وجبة بصرية غنية، بأسلوب سينمائي لبق، يناقش فيه أهمية ما تكتنزه هذه الصور من ذكرى.

هوية

الفيلم: خمسون ألف صورة

اخراج: عبدالجليل ناصر

بطولة: تركي الجلاّل

ناصر المبارك

سناء يونس