«نور حياتي».. استكشاف للعلاقات الإنسانية

قبل ثلاث سنوات، كان كيسي أفليك على موعد مع جمهوره عبر فيلمه «مانشستر باي ذا سي» للمخرج كينيث لونيرغان، واقتنص أفليك أوسكار أفضل ممثل عن دوره في الفيلم، وها هو يعود مجدداً إلى الواجهة عبر فيلمه الجديد «نور حياتي» (light of my life) الذي جمع فيه بين ثلاثية الإخراج والبطولة وتأليف النص، ليبدو العمل أشبه بلوحة فنية، وملحمة تفيض بالعاطفة، حيث يسعى فيه أفليك إلى استكشاف علاقة الأب بابنته، ويقدم رؤيته حول القيم والأخلاق وتأثيرها في المجتمع.

أفليك ينطلق في عمله من فكرة «وباء يقضي على المجتمع، ويهدد الناجين منه»، وهي ثيمة طالما استهلكتها هوليوود، وقدمت فيها أفلاماً عدة، لكن بأشكال وظروف ورؤى مختلفة، لتأتي قصة أفليك بسيطة للغاية، حيث يتناول في العمل رحلة أب وابنته من خلال مجتمع يحتضر، نتيجة وباء خطير قضى على معظم النساء فيه، لتبدو كافة الأحداث التي يمر بها الأب وابنته، بمثابة اختبار لشخصية الإنسان، وتطلعاته وطموحاته.

في المشهد الافتتاحي للفيلم، ينطلق أفليك من قصة «سفينة نوح»، حيث يقوم بإعادة إلقائها على مسامع ابنته «راغ» (الممثلة آنا بنيوسكي)، والتي تحاول بدورها أن تقنع والدها بمعرفتها الجيدة للقصة التي ألقاها عليها مرات عدة، يمتد هذا المشهد لنحو 11 دقيقة، ليبدو أن أفليك قد سعى من خلاله لأن يؤسس لقصة الفيلم التي تبدأ ملامحها بالبروز والظهور من خلال جملة الحوارات التي تدور بينه كأب وبين ابنته التي يحرص على أن يقدمها أمام المجتمع على هيئة «صبي»، وذلك حرصاً منه عليها من أي سوء قد يطالها، نتيجة ما يمر به المجتمع من وباء يؤثر في النساء.

لاحقاً ندرك أن أفليك وابنته كانا يعيشان رحلة هروب من واقع المجتمع، ومعاناته ويضطران إلى السير عبر الغابات وطقس متقلب المزاج، كما يضطران إلى النوم داخل خيمة وأحياناً في بيوت مهجورة، وغيرها، في مسعى منهما لأن يقدما كل ما يمكن أن يواجه الإنسان من صعوبات.

في المقابل، سعى أفليك إلى تقديم فيلم يدور في زمنين مختلفين، أحدهما الراهن والمتمثل في رحلته مع ابنته، والثاني هو عبارة عن استعادة للذكريات، حيث تظهر فيها الأم وعلاقتها مع الابنة، وطبيعة الحوارات التي كانت تدور بينهما، الأمر الذي يجعل من الفيلم لوحة جميلة.

يمتاز الفيلم بالسرد، والبطء أحياناً والذي يمكن أن يسبب الخمول كون معظم اللقطات فيه تدور حول شخصيتين فقط، وفي أجواء قاتمة، ولكنه في المقابل، يحتوي على ومضات كثيرة، قادرة على أن ترضي الجميع، وتثير فيهم التسامح مع الآخر، وتطرح العديد من الأسئلة القابلة للنقاش، خاصة تلك التي تتعلق بالقيم والأخلاق، وهو سؤال بادرت الابنة بطرحه على والدها في بداية الفيلم.

حيث سعت إلى فهم الفرق فيما بينهما. رغم حالة البطء في السرد، إلا أن أفليك سعى إلى المحافظة على جذب انتباه المشاهد، عبر تقديم لقطات يغلب عليها المرح والحب، والذي يساعده على المحافظة على التواصل بين الشخصيتين رغم الأجواء القاتمة التي تسود الفيلم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات