لا يمكن بأي حال الاستهانة بما يقدمه المخرج المكسيكي ألفونسو كوارون من أعمال سينمائية، لكل واحد منها طابعه الخاص، ونظرته وحكايته التي تقرّبنا نحو أحد الأفلاك التي يدور فيها، وهو الذي حرّرنا من قيود الأرض في فيلمه «غرافيتي»، وقدم لنا أساليب متنوعة في «وأمك أيضاً»، و«هاري بوتر وسجين أزكابان» الذي يعد الأفضل ضمن سلسلة «هاري بوتر».
وها هو يطل علينا بتحفة أخاذة عنوانها «روما» لينافس من خلالها على جائزة الأوسكار 2018 لأفضل فيلم ناطق بلغة أجنبية، حيث يروي فيه حكايته وحكاية حيه، بكل تفاصيله الحلوة والمرة، ففي «روما» لم يكتفِ كوارون بمهمة الإخراج فقط، وإنما امتدت مهمته نحو المونتاج والتصوير، ليقدم لنا عملاً ساحراً يحمل في طياته بعضاً من ذاكرته الخاصة.
«روما» فيلم رائع بكل أوجهه، فهو يشبه حلماً جميلاً لا تود الاستيقاظ منه، بدءاً من صورته بالأبيض والأسود، التي أحكم كوارون حياكتها، وليس انتهاء بقصته التي تدور حول «كليو»، الخادمة التي تقضي أيامها في بيت عائلة ميسورة الحال، لتبدو حياتها بكل تقلباتها تجسيداً مصغراً لما تشهده حياة تلك العائلة التي يتركها الأب مبتعداً عنها، لأجل قضاء لحظات «يعتقد» أنها «أجمل»، حيث تجد الأم وأبناؤها أنفسهم فجأة بلا رب أسرة.
حي
في «روما» يعيدنا ألفونسو كوارون نحو السبعينيات، لنعيش أجواء إحدى أحياء مدينة مكسيكو سيتي، حيث تعيش «كليو»، التي استنبطها كوران من رحم قصة حقيقية لامرأة تدعى «ليبو»، ليسرد من خلالها بعضاً من تفاصيل الحياة التي عاشها هو نفسه في ذات الحي الذي يدعى «روما».
فجاء الفيلم أشبه بسرد خفي لحكايته وسيرته الذاتية، لذا نجده فيه مغرقاً بالتفاصيل الصغيرة، وهو ما يمكن اكتشافه من المشهد الأول الذي يبدأ فيه بمشهد لأحجار مربعة مهدت مدخل بيت الأسرة، وقد صوّرت من أعلى حتى بدت أشبه بنماذج من الماس في صورة انطباعية بحتة لا تتكرر كثيراً في الفيلم؛ وهي تشير إلى أسلوب كوارون في تحويل الأشياء المعتادة إلى دلالات جديدة، إذ تنهمر المياه فوق الأحجار، لتستقر الصورة على الأرض حيث تنظف «كليو» مدخل البيت.
ونجد الفيلم بصورة عامة، نابضاً بملامح واقعية ساحرة تشد المتلقي إلى تفاصيلها وحكاياتها بقوة.
صدارة
في الفيلم، يحدد كوارون مهمة «كليو»، فهي ليست خادمة فقط وإنما مربية أيضاً، تتبادل الحب مع أطفال العائلة، ورغم ذلك يشعرك بأنها ورغم كل شيء، تظل جزءاً غير ثابت في الأسرة، ولكن في المقابل، يحافظ على بقائها في الصدارة، فهي تشكل الحجر الرئيسي في العمل، وكثيراً ما تركز الكاميرا في حركاتها على وجه «كليو»، التي تؤدي شخصيتها الممثلة ياليتسا أباريسيو بكل براعة..
وتعكس انفعالات «كليو» بصدق، خاصة عندما تكتشف حملها، حيث نشهد تخلي من أحبت عنها، في مشهد مدهش، يعبر عن الحياة الواقعية لشخوص نلتقيها يومياً في حياتنا، تظهر «كليو» ـ بعد خروجها من السينما ـ مرتبكة، تعتريها خيبة الأمل، لتدرك أنها تعيش في عالم لا مكان فيه للمشاعر الجياشة.
كوارون نجح بخلق عالم واقعي قدم فيه لحظات مؤثرة، كما في مشهد القلاقل السياسية، ولحظات الميلاد التي تفقد فيها «كليو» طفلتها، حتى المشاهد الأخيرة التي تكاد فيها الأسرة تفقد أبنائها في البحر، وتسهم «كليو» بإنقاذهم من فم الموج.
