سبع سنوات تفصل بين جائزتي الأوسكار كأفضل مخرج، التي حصل عليهما المخرج التايواني انج لي، فالأولى كانت في 2005 عن فيلمه «بروكباك ماونتن» (Brokeback Mountain) فيما الثانية كانت عن فيلمه «حياة باي» (Life of Pi)، وعلى قدر «البريق» الذي شع به فيلم «بروكباك ماونتن» جاء إيقاع «حياة باي» أكثر تأثيراً في قلوب عشاق السينما، تحول معها إلى تحفة سينمائية، مؤثرة في النفس، لما فيه من اتساع في الأفق وعمق المعالجة لرواية الكاتب ايفان مارتيل التي اقتبس عنها، ونالت جائزة بوكر عام 2002، وبيع منها آنذاك سبعة ملايين نسخة.
«حياة باي»، قصة واقعية مبللة بالخيال، وهو فيلم فلسفي، تدور أحداثه حول فكرة الضياع، والفقدان والتحدي أيضاً، وهي ثلاثية اعتمد المخرج عليها في تقديم فيلم «لامع» معظم أحداثه تتخذ من البحر «موقعاً» لها، حيث نشهد ضياع الصبي الهندي «باي» (الممثل سوراج شارما) في عرض البحر لمدة 227 يوماً، بعد تحطم الباخرة اليابانية التي كانت تقله وأسرته من الهند إلى كندا نتيجة لعاصفة ماطرة، لم ينجُ أحد منها سوى «باي» و4 من الحيوانات التي كان والده يمتلكها في الهند، واضطر إلى تركها بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية.
الحيوانات الأربع هي حمار وحشي، وضبع وقرد ونمر شرس يدعوه باي باسم «ريتشارد باركر»، بعد انقضاء عتمة الليل، يبدأ النمر بفرض سيطرته على الحيوانات التي «تتقاتل» فيما بينها وفق «غريزة البقاء»، فيتحول النمر إلى سيد على القارب بعد أن تموت بقية الحيوانات تحت مخالبه، في حين يفضل «باي» أن يفصل نفسه عن القارب، بأن يصنع لنفسه مركباً بدائياً يقيه «شر ريتشارد باركر» الذي يرافقه طوال رحلته التي لا يعرف إن كان سينجو منها أم لا.
البقاء حياً
خلال الرحلة يتعلم «باي» كيف يدافع عن نفسه، ليبقى حياً، ويتعلم كيف يفرض سيطرته على النمر، على الرغم من أنه يعيش على مركب عائم يجنبه المواجهة المباشرة مع النمر باركر، يحاول أن يطوعه بأن يمنحه جزءاً يسيراً من طعامه ومن الأسماك التي يصطادها، بأن يستأثر «باي» بالسمكة الكبيرة، ويترك للنمر باركر الأسماك الصغيرة، سرعان ما يخضع النمر له، ولكن يظل الاثنان على حذر تام في التعامل مع بعضهما البعض، في وقت يحاول «باي» أن يوثق حياته وتجاربه في الهند على كتيب التعليمات، يجده في القارب.
علاقة باي والنمر تستمر طويلاً، حتى يجد نفسه في قلب جزيرة مليئة بالسناجب، وبحيرة للمياه، مسمومة ليلاً، هناك يتركه النمر ويغيب بين الأشجار، فيما يعثر آخرون على «باي» وقد فقد الوعي، ليجد نفسه ممدداً على سرير المستشفى، وأمام مجموعة من موظفي الشركة اليابانية صاحبة الباخرة الغارقة، يخضعونه لاستجواب طويل، لمعرفة أسباب الغرق. يحكي لهم باي ما حدث، ولكنهم لا يصدقونه، ليعود مجدداً ويسرد عليهم قصة أخرى مستوحاة من الحيوانات الأربع التي كانت معه في القارب، حيث يجدونها أقرب إلى عقولهم.
أشياء كثيرة يمتلكها الفيلم يمكن لها أن تشد المشاهد، وتبقيه في حالة توتر دائمة، رغم أن «حياة باي» ليس الفيلم الأول الذي يتم تنفيذه في البحر، فهناك مثلاً فيلم المخرج جي. سي. شاندور (All is Lost) وبطولة روبرت ريدفورد، وفيلم المخرج روبرت زيمكيز ( Cast Away) (2000) بطولة توم هانكس، وفيلم المخرج ولفغانا بيترسين (The Perfect Storm) (2000) لجورج كلوني، وبالطبع الفيلم الكلاسيكي الصامت (The Boat) من إخراج كيتون وإدوارد إف كلاين، وغيرها الكثير.
إلا أن ميزة «حياة باي» تكمن في طبيعة الفلسفة التي اعتمدها والتي يحاكي فيها إلى حد كبير طبيعة الرواية التي كان الفيلم مخلصاً لها بشدة، وهنا حرياً القول أن السيناريست ديفيد ماغي، كان موفقاً في استخدامه لأسلوب السرد الموازي بين بطل الفيلم والكاتب الذي يكتب حكايته، فمنح المشاهد فرصة تخيل مواجهة الصبي والنمر، عندما حاول مهاجمته، كما أنه منح حكاية الفيلم طابعاً روحانياً وتأملياً صافياً، معتمداً في ذلك على أن «وراء عيون النمر الشرسة، روحاً وما نراه هو الأفكار الموجودة في أذهاننا، كما تعلم «باي» من والده».
فلاش باك
الطابع الروحاني والتأملي في الفيلم، لم يكن قاصراً على حالة «الضياع» في البحر، فقبله مهد المخرج أنج لي الطريق، بعرض مشاهد فلاش باك حول حياة الصبي «باي» في صغره، ويبين لنا أن الصبي سعى للبحث عن هويته الدينية، لدرجة أنه جمع بين ثلاثة أديان دفعة واحدة، معتمداً على فلسفته الفطرية، بأن الإيمان بالله يجب أن يكون في القلب، ولا مجال للتشكيك في ذلك.
وبعيداً عن الفكرة الفلسفية للفيلم، واقتراباً من شكله العام، فقد نجح انج لي، في تجسيد رواية ادعى صاحبها مرات عديدة، بعدم إمكانية حدوث ذلك «سينمائياً»، إلا أن انج لي استطاع أن يقدم فيلماً يتضمن قصة واقعية مبللة بالخيال، ومدعومة بتقنيات عالية، سواء من حيث المؤثرات الصوتية أو المرئية، التي تتناسب مع مقاسات تقنية ثلاثية الأبعاد، التي مكنته من الاستعاضة عن النمر الحقيقي بآخر خيالي رسم بطريقة الغرافيك، نجح في إنجازها استوديوهات «ار اند اتش»، والذي بدأ مفاوضاته مع انج لي في 2009 لإنجاز هذا العمل.
اختيار الممثل سوراج شارما لبطولة الفيلم، كان أيضاً خياراً جيداً، فسوراج لم يكن لديه تجارب كثيرة في التمثيل، ولعل ذلك جعل من أدائه حقيقياً، غير مبالغ فيه، مستعيناً بخبرة انج لي في الإخراج، وقد استطاع شارما أن يتقن دوره جيداً، معتمداً في ذلك على حلمه بأن يدخل أروقة السينما، والملاحظ للفيلم، يشعر أن شارما لم يكن مكترثاً إن كانت الكاميرا أمامه أم خلفه، فقد كان همه هو دخول هذا المجال فقط. سوراج شارما بعد فيلمه «حياه باي» تأهل لبطولة فيلم (Million Dollar Arm) للمخرج كريك غليسبي.
