على مدار تاريخ السينما المصرية كان لشخصية المدرس اهتمامٌ خاصٌ وملحوظ؛ لذا من السهل أن تحدد كمًا كبيرًا من الأعمال السينمائية القديمة والحديثة التي تناولت حياة المدرس الشخصية والعاملة بشكل رئيسي ومحوري، أو حتى على هامش حكاية الفيلم الرئيسية.
لكن الملاحظ والمتتبع الجيد لهذه الأعمال يجد أن الملامح العامة لهذه الشخصية -التي يصح وصفها بالمُستَهلَكة في الكثير من الأعمال- تغيرت بشكل جذري حديثًا عما قُدِّم في أفلام الأبيض والأسود، سواء من ناحية المضمون أو حتى الشكل؛ وهو ما يعد تأريخًا لا يمكن أن نصفه بالمقصود من صناع السينما للواقع المجتمعي المصري خلال المئة عام الماضية مختزلًا في شخصية «المدرس».
فصورة المدرس قديمًا كانت مختزلة بعض الشيء لدى الكثيرين في الرجل الوسيم صاحب الشعر المهندم ورابطة العنق المميزة والطلة الكلاسيكية، ولعل أهم من رسخ في أذهاننا هذه الصورة الممثل الراحل أحمد مظهر بعد الشخصية التي قدمها في فيلم «غصن زيتون»، ثم ما قدمه الممثل الراحل أيضًا وأحد وُسَمَاءِ عصره شكري سرحان في فيلم «السفيرة عزيزة» رفقة الممثلة الراحلة سعاد حسني.
هذه الشخصيات التي قُدمت في تلك الأفلام أضافت وقتها جاذبية خاصة ومكانة اجتماعية غير عادية لمهنة التدريس ولممتهنيها بشكل عام، وساعد على ذلك أن هذه المهنة كانت تحمل تقديرًا مجتمعيًا كبيرًا في مصر في ذلك الوقت؛ لذلك كان من الطبيعي أن نجدها على هذه الشاكلة في الأفلام التي صنعت في ذلك التوقيت.
«البيضة والحجر»
بعد أفلام الأبيض والأسود بدأت السينما المصرية تقدم نموذجًا للمدرس يتماشى مع حالة العبث الاقتصادي والمجتمعي التي عاشتها مصر في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، فظهرت شخصية المدرس في فيلم «البيضة والحجر» التي قدمها الممثل الراحل أحمد زكي.
وفي هذا الفيلم أراد صناع العمل أن يظهروا للجميع كيف تحول صاحب مهنة التدريس التي كانت تقدر ماديًا ومجتمعيًا قديمًا إلى دجال ومشعوذ، مستخدمًا دراسته للفلسفة في السيطرة على عقول زبائنه ومحققًا ثروة وشهرة كبيرة ما كان ليتحقق أي منهما إن ظل مدرسًا للفلسفة.
إلى أن جاءت مرحلة السخرية من كل شيء بعدما اشتدت حالة العبث الواقعي الذي يعيش فيه المصريون مع بدء الألفية الثالثة؛ لذا كان من الطبيعي أن تصبح أغلب إنتاجات السينما المصرية في هذا التوقيت كوميدية معتمدة على السخرية من كل شيء ومن كل المهن، بما في ذلك مهنة المدرس، والبداية كانت مع فيلم «الناظر» للمخرج شريف عرفة والممثل الراحل علاء ولي الدين.
ويعد العمل السينمائي الأول الذي سخر من الحال الذي وصل إليه التعليم المصري بعد أكثر من خمسة عقود على تقديم مسرحية «مدرسة المشاغبين»، التي فتحت الباب أمام الكثيرين لطرْق هذه المنطقة الشائكة.
الناظر
ففي فيلم «الناظر»، قدَّم صُنّاعه نسخة واقعية للغاية -رغم كوميديتها- لحالة التعليم المصري في ذلك التوقيت؛ حيث انتقد فكرة إيمان القائمين عليه بأن الأسلوب الصحيح في التعليم لا يجب أن يختلف في أي تفاصيله عن الأسلوب المعتمد قديمًا.
وهو ما حاول أن يعتمد عليه الشخصية الرئيسية في العمل حين تولى مهمة ناظر المدرسة بعد وفاة والده، رغم رسوبه في الثانوية العامة، حتى أيقن أن الطريق الوحيد لنجاحه في المهمة التي أوكلت إليه باتباع أساليب جديدة في التعليم حتى يصل إلى هدفه ويحصل طلابه أيضًا على أفضل فرص النجاح والتعليم.
حتى جاء الفيلم الأكثر سخرية من مهنة المدرس والتعليم بصفة عامة، فيلم «رمضان مبروك أبو العلمين حمودة»، الذي اختار القدر -ودون أي تدبيرات- أن يقوم ببطولته الممثل الكوميدي محمد هنيدي رفيق الحياة المهنية والشخصية للراحل علاء ولي الدين.
وقدم في هذا الفيلم مقارنة صريحة بين حال التعليم في قرى مصر، الذي ما زال حتى الآن يحافظ على مكانته وجودته، ليس نتاجًا عن نظام محدد أو خطة حكومية؛ بل فقط لتواجد مدرسين مثل الأستاذ رمضان مازالوا يؤمنون برسالة التعليم التي يحملونها على أكتافهم، وبين حال التعليم في الأكاديميات الخاصة ومدارس اللغات التي يتطلب الالتحاق بها مبالغ مادية كبيرة للغاية.
فيلما هنيدي وعلاء ولي الدين رغم أن الهدف الرئيسي من صناعتهما كان تقديم أفلام كوميدية تضمن تحقيق أرقام محددة على مستوى الإيرادات؛ إلا أن الفيلمين بحق صناعهما نجحا في تقديم أكثر من نموذج واقعي لمهنة المدرس المصري خلال الألفية الثالثة، وهنا يجب الإشارة إلى ضرورة التدقيق مع الشخصية التي قدمها الممثل الراحل يوسف عيد في الفيلمين، والشخصية التي قدمها الممثل إدوارد في فيلم «رمضان مبروك أبو العلمين حمودة».
