قد لا يحتاج فيلم «ليون» (Lion) لجائزة الأوسكار، لأن يخلد في ذاكرة المشاهد، فمنذ المشاهدة الأولى تشعر أن المخرج غارث دافيس، استطاع أن يقدم لنا عملاً درامياً شديد الحساسية.

وأن يقدم قصة هندية واقعية بمقاييس أميركية، اعتمدت أساساً على كتاب السيرة الذاتية (A Long Way Home) من تأليف سارو بريرلي، والذي يلعب دوره الممثل الهندي ديف باتيل، وشاركه البطولة نيكول كيدمان ونواز الدين صديقي، وروني مارا والطفل صني باوار.

حركة القطار

في الفيلم نشهد حكايات من الفقر والعوز والتشرد، ونعايش مشاعر الحنين إلى الوطن والآلام الغربة، خلال تتبعنا لخطى الطفل سارو، البالغ من العمر 5 سنوات، والذي «يضيع» بعد أن يتركه أخيه جودو نائماً في إحدى محطات القطارات البعيدة عن بيته، على أن يعود إليه سريعاً. سارو يستيقظ ويجد نفسه وحيداً، ويصاب بالهلع، ويقفز في قطار مجهول، بحثاً عن أخيه.

ولكنه يذهب في النوم مجدداً، ليفيق على حركة القطار، ليجد نفسه على بعد نحو 1600 كيلو متر عن بيته، ويقف في مدينه لا يعرف أهلها ولا اسمها، ولا حتى لغتها، فتتقاذفه الشوارع والطرقات الضيقة. يخطئ في لفظ اسم بلدته، ما يزيد من حدة ضياعه، فيعيش أياماً طويلة تفيض بالمرارة والبؤس واللحظات المرعبة، يواجه خلالها محاولات خطفه، ويظل كذلك حتى يصادف رجلاً يأخذه إلى الشرطة .

والتي تقوم بإرساله إلى دار أيتام، حيث يلعب الحظ معه بأن تتبناه أسره أسترالية، تفتح أمامه بيتها وتتعامل معه كابنها، ما يسهم في رسم السعادة عليه ويؤمن له مستقبلاً ناجحاً. وخلال دراسته يتعرف على طلبة من أبناء جلدته، وفي إحدى الليالي، يفتح أحدهم باب ذكريات «سارو»، الذي يبدأ باستعادة مشاهد تشرده وحنينه إلى والدته وموطنه الأصلي، فيبدأ برحلة البحث عن بيته وعائلته باستخدام برنامج «غوغل إيرث».

حياة يومية

أحداث الفيلم الذي استغرق الإعداد له 4 سنوات، تتوزع على شقين، وإن صح التعبير، فهي تقع على أرضين، الأولى هندية، والأخرى أسترالية، وفي كلاهما نقف أمام مشاهد درامية بالغة، فعدا عن الحنين إلى الوطن والشعور بالآلام الغربة التي يعيشها «سارو»، ينقل لنا المخرج تفاصيل الحياة اليومية في شوارع الهند، والتي لم يحدث أن عرضتها بوليوود في أفلامها.

واضعاً إياها في كادرات جميلة جداً، مطعمة بسحر «هوليوودي» قادر على إصابة المشاهد بالدهشة، مانحاً إياه فرصة الاستمتاع بالمشاهد، التي عالجت القصة بطريقة درامية لافته، زاد من ألقها أداء الممثلين، سواء ديف باتل، الذي يتضح أنه بذل جهداً كبيراً في ضبط إيقاع انفعالاته بحيث تتواءم مع طبيعة القصة، أو نيكول كيدمان، التي أثرت الفيلم بخبرتها العالية.

إلا أن الأداء التمثيلي اللافت تمثل في الطفل صني باوار (اختير من بين 4000 طفلاً هندياً)، الذي قدم دوراً جميلاً خالياً من الابتذال والتصنع، ففي كل مشهد استطاع أن يجسد تفاصيل الشخصية، التي تلبسها، فجاء أداءه صادقاً.

وعلى الرغم من أنها التجربة الروائية الطويلة الأولى للمخرج غارث دافيس بعد فيلم قصير، وآخر وثائقي، ومسلسلين تلفزيونين، إلا أنه استطاع هو الآخر أن يوظف كل التعابير الجسدية وملامح وجوه ممثليه ليقدم فيلماً قريباً من النفس، مستغلاً في ذلك كل حركة للكاميرا، التي تركها تتنفس في طرقات الهند.

وكذلك أستراليا، موظفاً في الوقت نفسه مشاهد «الفلاش باك» بطريقة جميلة، دامجاً في ما بينها وبين مسارات الحياة، التي يسلكها الشاب سارو، أثناء وجوده في أستراليا، وهي طريقة تمكن وفقها من ربط المشاهد بكل أجزاء الفيلم.

** 4 سنوات استغرق الإعداد للفيلم

** 4000 طفل تقدموا لتجسيد دور سارو