عندما أعلنت الأكاديمية الأميركية لعلوم وفنون الصور المتحركة عن قائمة ترشيحات جائزة الأوسكار لعام 2017، فوجئ الجميع بخلوها من اسم المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي، سواء بقائمة أفضل مخرج، أو قائمة أفضل فيلم، وهو الذي خبأ فيلمه «صمت» (Silence) لموسم الجوائز، واعتبره بمثابة «حصانه» الرابح في منافسات الأوسكار، ولكنه خرج منها خالي الوفاض، رغم أن الفيلم يبدو تقنياً أنه فصل على مقاس «الأوسكار».
خروج سكورسيزي من حلبة الأوسكار، لا يعني أن فيلمه «صمت» «حصان خاسر»، فالفيلم مقتبس عن رواية تاريخية، من تأليف شوساكو إندو، وأحداثها تعود إلى القرن السابع عشر، حيث يأخذنا فيها إلى أرض اليابان، عندما كانت تحت حكم ديكتاتوري، اضطهد المسيحيين، وأجبرهم على ممارسة شعائرهم الدينية خفية، لتبدو أن حكاية الفيلم برمتها تدور أساساً حول الصراع بين الضحية وجلادها.
وبغض النظر عن تفاصيل حكاية الفيلم، فالعمل يبدو جيداً، ويتمتع بسيناريو «مشدود» يشع بالدراما، قادر على جذب المتفرج وإجباره على متابعة مشاهده، حيث يترك فيه صاحب فيلم «ذئب وول ستريت» (2013) للمشاهد فرصة عيش أحداث الفيلم بخياله، وتصور حالة الصراع والمواجهة مع الاخر.
مواجهة
مارتن سكورسيزي قدم لنا عبر «صمت» فيلماً متخماً بالصراع، وعملاً يفيض بمشاهد الاضطهاد، في محاولة منه لأن يبين أوجه الصراع في الحياة، والمواجهة مع النفس ذاتها، وذلك من خلال سلاسة التصوير وتنوع اللقطات، التي أفضت إلى فيلم رشيق، يشع بالدراما الحقيقية، وهو ما يبين أن سكورسيزي قد ارتكز في فيلمه على فن الصورة، بأن قدم مشاهد يمكن فهمها بسلاسة حتى وإن خلت من الحوار، كما في المشهد الذي يجمع فيه أكثر من 20 شخصاً داخل كوخ صغير.
واستطاع من خلاله أن ينقل لنا تعابيرهم ومشاعرهم الداخلية وآرائهم المتباينة، ليثبت سكورسيزي أنه لا يزال قادراً من خلال التنويع في أحجام اللقطات والمشاهد والإضاءة المختلفة، على تقديم عمل متوازن فنياً، ولعل ذلك ما دعا أعضاء الأكاديمية لترشيح الفيلم لفئة أوسكار أفضل تصوير.
صيغة
لقد قسم سكورسيزي سيناريو الفيلم الذي اشتغله بالتعاون مع جاي كوكس، إلى ثلاثة مستويات، حيث يعرض لنا في الأول رحلة المبشرين إلى اليابان، فيما قدم لنا في الثاني جزءاً من معاناتهم وما تعرضوا له، وبين لنا في الثالث تأثير الاضطهاد على النفس، وقدرته على إضعافها.
وبالطبع فإن كل مستوى من هذه، يحتاج إلى «صيغة» تمثيلية خاصة، وبناء شخصية مختلفة، يمكن من خلالها التعرف على البيئة المحيطة، خاصة وأن الجزء الخاص بالمعاناة، كان الأكثر سوداوية في الفيلم.
إلا أن أبطاله وهم ليام نيسون، وأندرو غارفيلد، وآدم درايفر، وسياران هيندز استطاعوا أن يضبطوا إيقاع الفيلم بما قدموه من جمالية في التمثيل، وتقمص متقن لشخصياتهم، ما جعل الفيلم متوتراً في مشاهده، ومالكاً لقدرة جذب المشاهد.
