قبل عامين، صور المخرج روبرت رودريغز فيلماً حمل عنوان «100 عام.. الفيلم الذي لن تشاهدوه أبداً»، ولم يطلق منه سوى كليبات دعائية قصيرة جداً، ومن بعده حفظ الفيلم، الذي يلعب بطولته الممثل جون مالكوفيتش، في المقر الرئيس لشركة ريمي مارتن الفرنسية، في خزنة لن تفتح أبوابها إلا بعد مرور قرن من الآن، إذ حدد موعد عرضه في 18 نوفمبر 2115. في هذا العمل قدم رودريغز صوراً مختلفة لما يمكن أن يكون عليه مستقبل البشرية بعد 100 عام، حيث يقدم فيه 3 سيناريوهات مختلفة للمستقبل.
فكرة الفيلم قد تكون غريبة نوعاً ما، ولا سيما أن العمل سيظل محتجزاً طوال هذه الفترة، حيث لن يتسنى لنا البقاء إلى ذلك الموعد لمعرفة إن كانت توقعات مالكوفيتش ورودريغرز صحيحة أم لا. ورغم غرابة خطوة منتجي هذا الفيلم، إلا أنها تعيدنا إلى فئة «أفلام المستقبل» و«أفلام الخيال العلمي» التي قدمتها السينما على مدار العقود الماضية، وأثبتت من خلالها أنها بمثابة عين البشرية على المستقبل. وبالعودة إلى مكتبة الأفلام العالمية، سنكتشف كم الأفلام الهائل التي توقعت المستقبل، بعضها أصاب، وبعضها الآخر أفضى عن أفكار مجنونة لا يمكن تطبيقها سوى في الأحلام.
الاهتمام بالمستقبل ومحاولة تخيله في السينما، لم يكن قاصراً على الفضاء وإنما شمل تقلبات السياسة، وتطور الذكاء الاصطناعي، والتدهور البيئي وغيرها. وقد بدأ هذا الاهتمام مع انطلاقة خطوات السينما الأولى، بدليل أن المخرج جورج ميلييه، قدم في 1902 فيلمه «رحلة إلى القمر»، وفيه تخيل الوصول إلى القمر قبل عقود من تمكن ارمسترونغ من المشي على سطح القمر، لاحقاً أطل علينا كوبريك بتحفته «2001: أوديسا الفضاء» وهو الفيلم الذي خلدته السينما، حيث يعد من أفضل الأفلام التي نسجت حكايتها عن الفضاء، وعلى الدرب ذاته سار كريستوفر نولان في «انترستيلر» (Interstellar) الذي نعايش فيه رحلة فريق من رواد فضاء يسافرون عبر «ثقب دودي» في محاولة للبحث عن كوكب آخر صالح للحياة غير الأرض التي أصبحت تحتضر، وليس انتهاءً بما قدمه مارتن تيلدوم أخيراً بفيلم (Passengers) (2016)، والذي يدور أيضاً في الفضاء حول المركبة «أفالون»، التي تنطلق في رحلة عمرها 120 عاماً لاستعمار كوكب بعيد يعرف باسم «المسكن المستعمر».
الفضاء لم يكن «اللوكيشن»، الوحيد الذي أبدعت السينما من خلاله في إطلاق توقعاتها، فقد شغل «الذكاء الاصطناعي» والتطور التكنولوجي، حيزاً جيداً من إنتاجات هوليوود، ولنا في سلسلتي «ستارز وور» و«ستار تريك» مثالان جيدان على التطور التكنولوجي، وكذلك الأفلام المقتبسة عن قصص الكوميكس، حيث تبرز أشكالاً جديدة من الاختراعات التي يمكن لها أن تتحقق مستقبلاً، وبالطبع احتلت أجهزة «الروبوت» (الإنسان الآلي) حيزاً لا بأس فيه من أفلام السينما.
المخرج ستيفن سبيلبيرغ كان بارعاً في تقديم أفلام المستقبل، التي تناقش تطور الذكاء الاصطناعي، كما في فيلمه (A.I. Artificial Intelligence ) (2001)، حيث نعيش تطور الذكاء الاصطناعي الذي يؤدي إلى إكساب الروبوت هيئة بشرية، وسرعان ما يتطور ليكتسب «مشاعر جياشة»، تجعله قادراً على البكاء والفرح والحب أيضاً. وفي هذا الجانب قدم سبيلبيرغ أيضاً في 2002 فيلمه (Minority Report )، والذي يدور في عام 2054، حيث يكتشف البشر طريقة لمعرفة الجرائم قبل وقوعها، والقبض على مرتكبيها، والنتيجة تكون أن واشنطن خالية من الجرائم لسنوات متتالية، حتى يكتشف المحقق (جون أندرتون) أنه المتهم القادم، ويجب القبض عليه، فيهرب سعياً لإثبات براءته، وأنه «لن يقتل»، كما يقول المتنبئون. في هذا الفيلم يبتكر سبيلبرغ شكلاً رائعاً للمستقبل، تفاصيله ليست فقط في الحبكة، وإنما في الشكل البصري وتصوره لمسارات الطرق والسيارات والتواصل والمحاكاة، الأمر الذي يدعونا إلى «التصديق» بأن ذلك قد يتحقق بعد عقود من الآن.
انقراض البشرية
هل بدأ العد التنازلي لانقراض البشرية؟، سؤال قد تكون اجابته صعبة للغاية، ولكن بالنسبة للمخرج أليكس غارلاند، فالأمر واقع لا محالة، وهو ما يبرهن عليه في فيلمه (Ex Machina) الذي رأى فيه الجميع اقتراناً بفيلم سبيلبيرغ (A.I. Artificial Intelligence )، وتحفة ريدلي سكوت (Blade Runner)، حيث حاول غارلاند إحياء فكرة «الذكاء الاصطناعي» على الشاشة الكبيرة، عبر خلق آلة تعيش التجربة الإنسانية بمشاعرها وأحاسيسها، وهو ما دعاه لأن يتوقع بدء العد التنازلي لانقراض البشرية، ما جعل الفيلم واحداً من أهم الأعمال التي ظهرت في الربع الثاني من 2015.
صورة مختلفة
تطور الذكاء الاصطناعي واكتساب الروبوت مشاعر إنسانية والتنبؤ بسيناريو سيء لكوكب الأرض، بدا واضحاً في فيلم الانيمشن (Wall-e ) (2008) للمخرج اندرو ستانتون، والذي تقع أحداثه في 2805، ويقدم لنا صورة مختلفة، حيث تنعدم احتمالات الحياة على الأرض التي تتحول إلى مركز للنفايات، على أثرها ينتقل البشر للعيش في الفضاء على متن مركبات ضخمة، وتكمن فكرة الفيلم الغريبة في بطله «الروبوت»، الذي يعيش قصة حب مع «إيف» الآتية من الفضاء المتطور لاستكشاف احتمالات الحياة على الأرض. الفيلم حمل بين تفاصيله نقداً لاذعاً لما نشهده حالياً من «نزعة استهلاكية» واحتباس حراري، ويبين لنا الفيلم أن «الروبوت» ستكون ذات مشاعر إنسانية عالية أكثر من الآدميين أنفسهم، ما قاد الفيلم للترشح لخمس جوائز أوسكار، اقتنص منها أوسكار أفضل فيلم رسوم متحركة، وكذلك جائزة غولدن غلوب أفضل فيلم رسوم متحركة.
غمار السياسة
السياسة بكل تقلباتها، لم تكن خارج إطار أفلام المستقبل، ففي هذا الشأن قدمت السينما أفلام «رؤيوية» توقعت فيها تنامي قوى الإرهاب في العالم وارتفاع وتيرة العنف فيه، كما في فيلم (V for Vendetta ) (2005) للمخرج جيمس مكتيغي، وتدور أحداثه في المستقبل وتحديداً عام 2038، حيث تتولى حكومة فاشيستية برئاسة «ساتلر» مقاليد الحكم في بريطانيا، وتحولها إلى سجن واسع محكوم بالديكتاتورية، الفيلم يتتبع «مناضل» غامض من أجل الحرية، يعرف باسم «V» يستخدم التكتيكات الإرهابية للقتال ضد مجتمعه الشمولي. الفيلم استطاع التأثير في الجمهور بأن أصبح قناع «في» أو «فينديدا» شعاراً للتمرد في العالم، كما أثر كثيراً على شباك التذاكر، بجمعه إيرادات تجاوزت 132 مليون دولار.
اندلاع الحروب
ألفونسو كوارون بفيلمه (Children of Men ) (2006)، لم يبتعد كثيراً عن هذا الخط، فالأحداث تدور في 2027، ويتنبأ فيه كوارون باندلاع الحروب بين أبناء البشرية، أملاً منهم بـ«البقاء» بعد أن يتوقفوا عن الإنجاب لأكثر من 20 عاماً، وهو ما وصفه كوارون بمصطلح «ديستوبيا» (عالم الواقع المرير)، حيث تضيع كل احتمالات المستقبل بسبب الفناء المنتظر، لذا تدافع البشرية عن غريزة«البقاء» عبر خوض مزيد من الحروب، فيلم كوارون تحول لواحد من كلاسيكيات الخيال العلمي، لما يتمتع به من ديكورات وطريقة تصوير مبتكرة.
«الديستوبيا» شكلت قاعدة أساسية لفيلم «ماد ماكس»: فيوري رود«(Mad Max: Fury Road) لجورج ميلر. ماد ماكس صنف على أنه فيلم «أكشن»، وذلك صحيح من حيث تنفيذ المشاهد، ولكنه يظل فيلماً فلسفياً، من حيث فكرته التي تستعرض تخوفات البشر من المستقبل، فالفيلم يدور عند نهاية العالم بشكل مأساوي، حيث نشهد صراعاً بين البشر نتيجة إصابة العالم بالجنون، بعد خلو الأرض من الماء والوقود، واشتعال الحرب فيها، ويصبح كل واحد على الأرض يرى «البقاء» على طريقته الخاصة. «ماد ماكس» كان فيلماً «مجنوناً» بحق، سواء في فكرته أو طريقة تصويره وتنفيذ مشاهد الأكشن فيه، ما مكنه من جمع أكثر من 378 مليون دولار عالمياً.
2115
العام الذي يعرض فيه فيلم «100 عام.. الفيلم الذي لن تشاهدوه أبداً»
43.7
مليون دولار خصصت لتسويق فيلم Mad Max: Fury Road
134
مجموع الجوائز التي رشح لها Interstellarوفاز منها بـ 41 فقط
6
جوائز أوسكار حصدها فيلم Mad Max: Fury Road
100
مليون دولار بلغت تكلفة فيلم A.I. Artificial Intelligence
132.5
مليون دولار مجموع إيرادات فيلم V forVendettaعالمياً


