منذ سنوات لم يطل علينا فيلم موسيقي يشبه «لا لا لاند» الذي يستعيد فيه مخرجه داميان شازيل ألق هذه النوعية من الأفلام التي أصبح وجودها في الصالات أمراً نادراً، فالفيلم سيمفونية سينمائية راقصة، متماسكة الأطراف سواء أكان ذلك من ناحية البناء البصري أم الحبكة الدرامية.
فجاء الفيلم على قدر توقعات الجميع، ليفوز بترشيحات سبع في فئات غولدن غلوب الرئيسية، محتلاً مكانة متقدمة على شباك التذاكر الأميركي، ما دعا البعض لأن يرى فيه تحية لأفلام الموسيقى التي شهدتها سنوات الخمسينيات والستينيات وما قبلها.
قصة عادية
«لا لا لاند» يروي قصة عادية أو إن شئت «تقليدية»، سبق وأن مرت في أروقة السينما كثيراً، فهي تدور حول «سيباستيان» (الممثل رايان غوزلينغ) شاب عاشق لموسيقى الجاز، عارف لطقوسها وقواعدها وعظمائها، مستاء من تحويل ملهى خاص بها إلى مطعم، ويطمح لأن يتمكن يوماً من الاستحواذ عليه لإعادته سيرته الأولى.
ولكنه يعاني البطالة لاهتمامه الدائم بموسيقى الجاز، وإذا حدث وأن عرض عليه أحد ما عملاً فإنه يفرض عليه عزف مقطوعات موسيقية عادية تتناسب مع أجواء المكان، وهو ما لا يطمح إليه «سيباستيان» الذي يلتقي يوماً مع «ميا» (الممثلة إيما ستون) التي تعمل في أحد مقاهي هوليوود، وتطمح لأن تدخل يوماً مجال التمثيل، ولكنها تواجه الفشل في كل مرة، تكتب عملاً مسرحياً تؤدي فيه وحيدة دور البطولة، ولكنه يواجه الفشل.
حكاية رومانسية
اللقاء بين «سيباستيان» و«ميا» في الفيلم يكاد أن يشكل أساساً لحكاية رومانسية جميلة يهيمن عليها واقع هوليوود القاسي، ولكنه يفرض عليهما سؤالاً جوهرياً حول مصيرهما سواء أكان مشتركاً أم فردياً، سيباستيان يوافق على العمل مع صديق له في مجال موسيقى الجاز، متحملاً ما يعتري هذه الموسيقى من تشويه عبر إدخال ألحان لا علاقة لها بها.
فيما تنخرط ميا في الواقع الذي تفرضه هوليوود عليها، متجاهلة أحلامها، وهو ما يعني التنازل أحياناً كثيرة عن الأحلام رضوخاً عند رغبة الواقع وتلبية لاحتياجات يومية، في إشارة إلى أن الحياة لا ترحم أحداً، وأن العيش فيها يحتاج إلى شيء من التنازل عن المثاليات، ليفضي ذلك إلى حالة افتراق بين العاشقين.
داميان لم يتجاهل حالة الحب التي مر بها الاثنان، ومرارة انهيار أحلامهما، فنجده قد منح البطولة للموسيقى وبعض الأغنيات والمشاهد الراقصة لتكمل بدورها حكايتهما، وهو ما نلمسه في أغنية «مدينة النجوم» تلك التي ينشدها سيباستيان لحبيبته، ليبدو ذلك انعكاساً لما يحمله في قلبه من حب لها رغم صعوبة الواقع وتجاهله لأحلامهما، وآمالهما.
آفاق واسعة
«لا لا لاند» لا يكتفي بالموسيقى والغناء ولا حتى بقصة الحب الرومانسية التي يعيشها أبطاله، وإنما يفتح آفاقاً واسعة أمام جملة من الأسئلة حول طبيعة الحاضر وعلاقته بالماضي، وطبيعة الحياة وما فيها من أشكال استهلاكية عدة، قد تهدد الأحلام.
وبلا شك أن الثنائي غوزلينغ وستون، قد استطاعا أن يجسدا هذه العلاقة عبر مشاهد الفيلم الموسيقي الذي جاء حاملاً مسحة عصرية جميلة من شأنها أن تعيد الألق مجدداً لنوعية أفلام الموسيقى من شاكلة «شيكاغو»، و«روجر واستير» وغيرها من تلك الأعمال الكلاسيكية، التي حاول داميان من خلال هذا الفيلم أن يستعيد ملامحها القديمة.
