كيف يمكن لأي مخرج أن يقدم فيلماً مشحوناً بحبكة متوترة، لا يترك للجمهور فرصة التقاط أنفاسه، ليظل طوال الوقت حابساً لها، بانتظار ما الذي سيحدث في نهاية المشهد أو المشاهد، ذلك بلا شك، يعد تحدياً يواجه كافة صناع الأفلام.

لا سيما أولئك الذين يشتغلون في سينما التشويق، فهم يحتاجون إلى نقطة معينة، تمكنهم من خلق الصراع الدرامي، القادر على شحن الفيلم بالتوتر، ويبقي الجمهور ملتزماً مقعده طوال الوقت، دون أن يتسلل الملل إلى نفسه.

 الحبكة المشحونة، والصراع الدرامي طويل النفس، أمران ينطبقان كثيراً على فيلمي «السجناء» (Prisoners) للمخرج الكندى دينيس فيلينف، و«الفتاة المختفية» (Gone Girl) للمخرج الأميركي ديفيد فينتشر، اللذين يظهران براعة سينما التشويق.

 الفاصل الزمني بين الفيلمين مقداره عام واحد فقط، حيث الأول أطل في 2013، فيما الثاني جاء في 2014، وكلاهما ينتميان إلى أدب الجريمة، إن صح التعبير، وسينما التشويق والإثارة، وقد استطاعا أن يحققا طرفي معادلة النجاح جماهيرياً ونقدياً.
مكان في الذاكرة

«سجناء» و«الفتاة المختفية»، من الأفلام التي يصعب أن تفلت من الذاكرة، فأحداثهما وطبيعة تصويرهما، تفرض على المشاهد أن يحجز لهما مكاناً ما في ذاكرته، على الرغم من اختلاف قصتهما، وقائمة أبطالهما. إلا أن القاسم المشترك بينهما، يظل كامناً في «الغياب» أو «الضياع».

 ولعل ذلك كان سبباً ساعد المخرجين فيلينف وفينتشر على ابتكار خطوط ومشاهد قادرة على إصابة الجمهور المتفرج بالتوتر.

 فخطوط «سجناء» وحبكته، ترتسم حول طفلتين تختفيان فجأة، ليصاب كل من حولهما بالجنون والحزن على فقدانهما، بينما خطوط «الفتاة المختفية» جاءت مختلفة نوعاً ما، فبطلة الضياع فيه تكون الزوجة، وهو أمر يؤلب الجميع ضد زوجها، الذي يقع في دائرة الاتهام. ولكن الفيلمين يتشابكان في إحداث انفعالات داخلية كثيراً.

وبمشاهد تفيض بالتوتر، لدرجة أنها تذكر عالقة في الذاكرة، وأحياناً قد تجبر المتفرج على إعادة رسم المشهد، ولو بمخيلته، مرات كثيرة، بمجرد أن يخرج من الصالة.

براعة الفيلمين، ورغم خطوطهما الدرامية المنفصلة، تكمن في طبيعة المفاجأة التي يقدمها المخرجان في النهاية، وهي غير متوقعة، ففي الوقت الذي تظن فيه أن الطفلتين قد ذهبتا ضحية، وأن الزوجة قتلت وأخفيت جثتها، تكتشف في النهاية، أنها جاءت مخالفة لكافة التوقعات، فالزوجة لا تزال حية.

 وتخرج من بيتها بحثاً عن «حريتها»، وأن الطفلتين كانتا سجينتين في «متاهة» صاحبتها امرأة عجوز، لا تدعك كاميرا المخرج أن تشك بها أبداً.
إثارة نفسية

التفكير في هذين الفيلمين وتحليلهما، لا بد أن يقودنا في البداية إلى التعرف إلى طبيعة مخرجيها، وهما ممن أبدعا في سينما التشويق، خاصة المخرج ديفيد فينتشر، الذي قد تبدو خلفيته القادم منها مختلفة تماماً عن طبيعة الفن السابع واحتياجاته وتقنياته، فقد كان فينتشر، الذي رشح لجائزة الأوسكار مرتين، في بدايته مخرجاً لكليبات غنائية،.

إلا أنه، وبعد تحرره منها، استطاع أن يقدم لنا مجموعة أفلام رائعة، لا يعد فيلم (Gone Girl) أولها، فهو صاحب (The Girl with the Dragon Tattoo) و(The Social Network) وغيرها، ومعظم أفلامه تتخذ من سينما التشويق خطاً لها. اختلاف «الفتاة المختفية» عن بقية أفلامه، يكمن في مضمونه، الذي يعتمد بالدرجة الأولى على الإثارة النفسية، التي تم إعدادها بطريقة فنية جميلة.

 حيث يعمد فيها فينشر إلى إبقاء الجمهور في حالة توتر دائمة، على مدار نحو ساعتين، ليكتشف في النهاية، حيلة عظيمة، تبين المظاهر الزائفة التي لا تظهر في العادة للعيان.

في حين أن المتابع لأعمال الكندي دينيس فيلينف، يكتشف أنه يسعى دائماً إلى منافسة نفسه قبل الآخرين، فما إن قدم في 2010 رائعته «حرائق» (Incendies)، الذي يناهض فيه الحرب.

 ويحتفي فيه بالوقت نفسه بالعنف والوحشية، حتى عاد بفيلمه «السجناء»، ليناطح به قسوة وتوتر الفيلم السابق، خاصة أن فيلمه «السجناء»، يعد تجربته الأولى في هوليوود، بعد أن قرر ترك وطنه كندا، وتعاقده مع مجموعة من الاستوديوهات الأميركية.

حيث بدت هذه تجربة مختلفة عن طريقته في العمل مع شركات إنتاج مستقلة، وقد نجح في التوفيق بين رؤيته كصانع أفلام مستقل، وبين ما تطلبه استوديوهات هوليوود، ويمثل «السجناء» دليلاً واضحاً في ذلك، حيث استطاع أن يحقق فيه معادلة النجاح الجماهيري والنقدي على حد سواء.
ضياع واختفاء

من حيث الحبكة والصراع الدرامي، فقصة الفيلمين مختلفة، ففي «سجناء»، نحن أمام قصة أبطالها طفلتان من عائلتين تربطهما صداقة، تحتفيان في يوم الشكر بعد اجتماع العائلتين للاحتفال، حيث تلتقي «آنا» و«جوي»، واللتان كانتا تلعبان بمنزل عائلة «جوى» قبل اختفائهما.

 ولم يكن بالجوار حينها سوى سيارة يملكها «أليكس جونز»، الفتى غير السوى عقلياً، الذي يجسده الممثل بول دانو، ليظهر بعدها محقق الشرطة «لوكى»، الذي يجسده الممثل جيك غيلينهال، ويقوم بعمله بالقبض على «أليكس جونز»، ولكن بعد استجوابه، لا يجد لديه ما يفيد القضية، ولم يجد ضده أي أدلة، فيتم الإفراج عنه، وهو ما يثير هياج وسخط والد «أنا».

والذي يقوم بدوره الممثل هيو جاكمان، فيقوم بتعنيف المحقق «لوكى» بسبب إفراجه عن ذلك الفتى، الذي يراه الخيط الوحيد لهذه الجريمة، ثم لا يجد الأب حلاً آخر غير القيام باختطاف الفتى أليكس جونز بعد الإفراج عنه وتعذيبه حتى يعترف أو يدلى بأي معلومات قد تفيده في العثور على ابنته، لتتوالى الأحداث، وتكشف لنا أن أليكس كان أيضاً ضحية، وأن المتهم الرئيس هو عمته، التي اعتادت على خطف الأطفال مع زوجها قبل أن تتخلص منه.

 بينما في «الفتاة المختفية»، فقد بدت القصة مختلفة شيئاً ما، حيث نلحظ، وتحت ظروف غامضة، اختفاء قاصة تدعى «إيمي اليوت»، محبوبة من جمهورها الذي قدمت له قصصاً دخلت في قلوب الملايين، ويأتي هذا الاختفاء بعد مرور خمس سنوات على زواجها من رجل يهوى المطالعة، يدعي «دان نك» (الممثل بن أفليك).

حيث تبدو حياتهما سعيدة، لنعيش على إثر هذا الاختفاء وقائع نفسية مثيرة، توجه فيها كافة أصابع الاتهام إلى دان نك، لنكتشف في ما بعد أن حقيقه اختفاء «إيمي» كانت مقصودة.

 والهدف منها تلقين زوجها درساً قاسياً بسبب خيانته مع فتاة أخرى، وهذه تأتي بعد اكتشافه أن لدى إيمي عشيقاً سابقاً، يدعى ديسي كولينغس (نيل باتريك هاريس)، وهي علاقة منتهية منذ زمن بعيد، في حين تدخل على الخط شخصية رابعة.

 وهي المحامي تانر بولت، الذي يتلقى أجراً باهظاً، ولكنه يتمكن من حماية دان نك من الشبهات التي تدور حوله، ويستطيع التأثير في الناس، لينظروا إليه بنظرة شفقة، بعد أن كان مكروهاً في المجتمع، حيث استطاع خلال لقاء تلفزيوني واحد مع شارون شيبر (سيلا وارد)، أن يغير هذه النظرة.
ردود أفعال

العامل النفسي في الفيلمين، بدا له تأثير واضح، وهو ما يمكن أن نتلمسه من خلال ردود أفعال الأب والزوج والزوجة، حول ما الحدث، وبلا شك أن ردود الفعل هذه لعبت دوراً مهماً في رفع نسبة التوتر، أو شحن الفيلم بصورة عالية، الأمر الذي قدم لنا مشاهد جميلة، أبطالها هيو جاكمان في فيلم «السجناء».

 وبن أفليك في «غوين غيرل»، حيث قدما أداءً جميلاً، واستطاعا أن يوظفا تعابيرهما في أحداث هذا التوتر، لا سيما هيو جاكمان، الذي ساعدته طبيعة ملامحه في ذلك، ويمكن ملاحظة ذلك في سلسلته (ولفرين) و(إكس مين). ويجدر بنا أن نشير إلى قضية يتعرض إليها الفيلمان، وهي تأثير وسائل الإعلام ودورها المهم في تضخيم الحدث.

 وتغيير وجهة نظر القاعدة الجماهيرية، وهي رسالة يحاول كل من المخرج فينتشر وفيلينف، أن يكرساها بقوة خلال الأحداث، حيث نشهد في «السجناء»، كيف يتم تداول قضية الطفلتين، وكذلك في «الفتاة المختفية»، بحيث يتم التأثير في الناس، وتغيير وجهات نظرهم حيال ما يجري من قضايا في المجتمع.

35
جائزة رشح لها فيلم Prisoners وفاز بـ"10" من بينها جائزة جمعية النقاد
46
مليون دولار بلغت ميزانية الفيلم
20
مليون دولار جمع "Prisoners" في ليلة افتتاحه بأميركا
2012
شهد صدور رواية غيليان فلين التي اقتبس عنها فيلم Gone Girl
5270
شاشة عرض في 39 سوقاً عرضت
"Gone Girl" 2014
167
مليون دولار إيرادات الفيلم في الولايات المتحدة
DVD