أن تقف أمام مكتبة السينما العالمية، فلا بد أن تلحظ مجموعة أعمال لم تغب عنها الشمس يوماً، لما تحمله من قيمة فنيه، وأسماء لمخرجين ساهموا في إحداث ثورة في نظريات السينما، وإدخال أبجديات جديدة إلى الفن السابع، فيما بعضهم ساهم في خلق موجات أو تيارات سينمائية، ليظل هؤلاء المخرجون بمثابة نبراس أمل لأخرين اختاروا السير في دروب الفن السابع.

قائمة المخرجين الذين تركوا بصمة لامعة في تاريخ السينما تكاد لا تنتهي، بعضهم ترك الدنيا، وبعضهم الآخر لا يزال مشغولاً بصناعة مزيد من الأفلام الفنية والتجارية، ارضاءً لشغفه ورفداً لمكتبة السينما العالمية بأفلام ذات قيمه فنية عالية، تحمل بين طيات مشاهدها رؤى اخراجية جديدة ومختلفة، من بينهم ألفريد هيتشكوك الذي لقب بسيد الاثارة، وأندريه فايدا، الذي برحيله فقدت السينما واحداً من أبراجها الشاهقة، وفرانسيس كوبولا صاحب رائعة «العراب»، وكذلك ديفيد لينش الذي عرف بسيرياليته العالية، ليستحق هؤلاء لقب مخرجون من حديد.

قبل أيام أفاق عشاق الفن السابع على خبر رحيل المخرج البولندي اندريه فايدا، الذي يعتبره كثيرون واحداً من أبراج السينما الشاهقة، ليرحل عنا تاركاً وراءه أرشيفاً غنياً يضم أكثر من 40 عملاً، شكلت إجمالي انتاجه الإبداعي، كان اخرها فيلم «بوفيدوكي» الذي رشح أخيراً لجائزة الأوسكار بعد أن عرض في مهرجان تورنتو السينمائي في دورته الأخيرة.

أندريه فايدا لم يكن الوحيد الذي ترك بصمة «ذهبية» على جدران صالات السينما، وانما سبق إلى ذلك اخرون تمتعوا بنظرة ثاقبة أكسبت أعمالهم خلوداً في أرشيف السينما العالمية، لتظل شاهدة على مرورهم، من بين تلك الأعمال، ما قدمه المخرج البريطاني ألفريد هيتشكوك، الذي لا يزال رغم رحيله يتربع على قائمة أفضل مخرجي السينما في التاريخ، وهو الذي دخل أروقة السينما في عمر مبكر، بمساعدة أحد زملائه، ليبدأ عمله في السينما الصامتة، وسرعان ما أصبح معروفاً في انجلترا قبل أن يغادرها نحو الولايات المتحدة الاميركية للعمل فيها.

سيد الإثارة

هيتشكوك الذي عرف بمزاجيته، ظل على الدوام واحداً من أعظم المخرجين، فقد أثرت أعماله كثيراً في مسيرة السينما المعاصرة، لدرجة لقب بملك الإثارة والتشويق والرعب، ولعل اللافت في أفلام هيتشكوك هو ايقاعها ووقعها الكبير على المشاهد، فصاحب رائعة (The Birds) كان يتقن استعمال اللقطات والمشاهد التي تحفز لدى المتلقي مشاعر الخوف والقلق، وترفع لديه مستوى التوتر، لدرجة تجعله متعاطفاً مع شخصيات الفيلم حتى وإن كانت شريرة، كما نجح هيتشكوك الذي يمتلك في رصيده 53 فيلماً طويلاً، بعضها يعتبر من كلاسيكيات السينما العالمية، في تشكيل أبجديات سينما الرعب والإثارة، حيث اعتاد في أفلامه على تقديم أحداث قادرة على خدعة المشاهد، فضلاً عن تميزها بنهايات غير متوقعة.

لسيد الإثارة هيتشكوك أفلام كثيرة، قد تحتار في الاختيار بينها، ولعل أبرزها فيلم (Psycho) الذي لا يزال متربعاً على عرش أفلام الرعب النفسيّة، حيث يترك فيه هيتشكوك المشاهد محتاراً، يقتله الفضول لمعرفة هوية القاتل ليُصعق في النهاية بما سيسمعه ويراه. والملاحظ أن هيتشكوك كان من أكثر الذين تعاونوا مع الممثل الأميركي جيمس ستيوارت الذي أطل في 4 أفلام أبرزها (Vertigo) وكذلك (Rear Window) الذي يدور حول صحفي معروف يضطر إلى البقاء في بيته اثر تعرضه لحادثة أدت إلى كسر قدمه خلال تغطيته لأحد سباقات السيارات، لنجد أن الفضول يدفعه لمراقبة جيرانه باستخدام عدسة كاميرته.

العراب

عندما نتحدث عن مخرجين عظماء، فلا بد أن نذكر صاحب ثلاثية «العراب» (The Godfather) المخرج فرانسيس فورد كوبولا، الذي يعد واحداً من عمالقة جيل السبعينات في السينما الأميركيـــة، وهو الذي بدأ مسيرته بإخراج وكتابه أفلام ذات ميزانيات محدودة، وظل كذلك، حتى قدم «العراب» (1972) الذي فاز بتسع جوائز أهمها الاوسكار لأفضل سيناريو مقتبس بالإضافة إلى ترشحه لجائزة الأوسكار لأفضل مخرج.

ورغم ابتعاده عن الأضواء إلا أن كوبولا ظل واحداً من أبرز أولئك الذين أثروا في مسيرة السينما، بدليل أن ثلاثية «العراب» لا تزال حية، وتعتبر من أفضل ما قدمت السينما الأميركية على الإطلاق، والسبب في ذلك يعود إلى أن كابولا فضل أن يقدمه على طريقته الخاصة، متجاهلاً النمط الهوليوودي فيه، وهو ما أثار حفيظة المنتجين انذاك، ولكن ذلك لم يثنه عن مواصلة انتاج ثلاثيته التي كان اخرها في 1990.

سلسلة «العراب» لم تبدل فقط الأنماط السينمائية المستخدمة، وانما حياة كوبولا ايضاً، فكثيراً ما كان يردد أن «العراب» بدل حياته تماماً، وأنه أصبح يمتلك حياة مهنية وهو في سن 29، ولكن سلسلة «العراب» لم تكن العلامة المميزة الوحيدة في مسيرة كوبولا، التي شهدت تقديمه نحو 40 فيلماً، وإنما كان لفيلمه (Apocalypse Now) الذي قدمه في 1979، وقعاً واضحاً على الجميع ليس النقاد فقط، ففي هذا الفيلم بدا كوبولا وكأنه يؤرخ لجنون السياسة والتمرد والقتل، وفيه لم ينقل حرب فيتنام، بقدر ما نقل فيتنام نفسها على الشاشة.

وهناك ايضاً فيلمه المشهور (The Conversation) (1974) الذي تزامن إنتاجه مع وصول فضيحة «ووتر غيت» إلى ذروتها، وبعيداً عن المشهد السياسي الذي كان سائداً آنذاك في أميركا، يمكن القول إن هذا الفيلم لا يمكن اعتباره سياسياً بالدرجة الأولى، وإنما يندرج في إطار التشويق البوليسي والتكنولوجي، فهو فيلم يدور حول العزلة المطلقة والخوف، ويتناول نظرية المؤامرة بشكل أو بآخر، ومن هذا المنطلق استطاع الفيلم أن يحقق نجاحه.

ملك السيريالية

لم يقدم المخرج ديفيد لينش الكثير من الأفلام الروائية الطويلة، ولكن برغم ذلك فقد استطاع إحداث ثورة في السينما، فما إن تشاهدها حتى تشعر نفسك أنك أمام لوحة فنية، وذلك لكون لينش فناناً أصلاً، ويعتقد أن «صناعة اللوحة عكس الفيلم الذي يمثل فعلاً واعياً». ورغم أن الطابع العام لأفلام المخرج لينش يغلب عليه العنف والسوداوية واللامنطقية وتعرف بكونها مزعجة جدا للجمهور وتحدياً له، إلا أن هذه الأفلام تلقى اقبالاً واسعاً لدى الجمهور، وقد يكون ذلك مرده هو أن أفلام لينش بعيدة عن الواقع وتشبه الكوابيس، كما في فيلمه «الرجل الفيل» (Elephant Man) الذي غلب عليه صبغة العصر الفكتوري، وقد رشح هذا الفيلم لـ 8 جوائز أوسكار لم يفز بأي منها، هذا الفيلم دفع المنتجين إلى المجازفة أكثر مع لينش، الذي يعبر بدوره عن ذلك بأنه كل ما زادت الأموال، زادت الضغوطات وزاد القلق.

وبرغم ذلك يظل فيلمه «قلب جامح» (Untamed Heart) النقطة الأبرز في تاريخه، حيث يفيض الفيلم بالجنون والانفعالات في أقصاها، منذ المشهد الأول يتضح العنف والبربرية الهستيرية، الفيلم مقتبس عن رواية »باري جيفورد«، ويتحدث عن جنون العالم، وقد فاز عنه بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي. يذكر أن لينش ترشح 3 مرات لجائزة الأوسكار لأفضل مخرج بالإضافة إلى فوزه بعدة جوائز بمهرجان كان الدولي السينمائي وفوزه بجائزة الدب الذهبي الشرفية بمهرجان فينيسيا السينمائي.

1939

انتقل ألفريد هيتشكوك من إنجلترا إلى هوليوود ليستمر في تحقيق حلمه

300

شخص غادروا صالة عرض فيلم (Untamed Heart) عند عرضه في «كان السينمائي» لكمية العنف الموجودة فيه.

200

دولار تكلفة أول فيلم قصير لديفيد لينش وكان بعنوان «ستة رجال يصابون بالغثيان».

25

مليون دولار دفعها فرانسيس كابولا من ماله الخاص لإنهاء فيلمه Apocalypse Now

3

مليون دولار أجر الممثل مارلون براندو في فيلم Apocalypse Now.

4

جوائز أوسكار رشح لها فيلم Psycho من بينها أفضل مخرج وأفضل ممثلة مساعدة