كثيرة هي الأفلام التي أنتجتها هوليوود حول رياضة الملاكمة، لعل آخرها فيلم «ذا هاند أوف ستون» (The Hand of Stone) للمخرج جوناثان جاكيبوزيك الذي لا يزال صداه يحلق في فضاء صالات السينما العالمية، وعلى الرغم من كثرة هذه النوعية من الأفلام، إلا أن غالبيتها لم يخرج عن طابع التوثيق لحياة بعض أبطال الملاكمة، فيما دار بعضها الآخر في فلك هذه الرياضة مقدماً إياها في إطار درامي تراجيدي، لتظل في النهاية متشابهة من حيث الفكرة والنتيجة أيضاً.

فمعظم هذه الأفلام حاولت أن ترسم في ذهن الجمهور صورة ذهنية معينة عن لاعب الملاكمة، اقترن في معظمها بالصعوبات والفقر والقسوة، فيما ركزت هذه الأفلام في قصصها على أنواع مختلفة من الصراعات مثل صراع العائلة وإثبات الذات والمراهنات وغيرها، والتي يمكن القول إنها شكلت القاعدة الأساسية التي انطلق منها صناع هذه الأفلام في بنائهم للقصة وترتيب أحداثها، بطريقة مكنتهم من اللعب على وتر مشاعر الجمهور بغية المحافظة على مشاعره، لتظل سلسلة أفلام «روكي» التي قام ببطولتها الممثل سلفستر ستالون، الأشهر في عالم أفلام الملاكمة، حيث استطاعت هذه السلسلة إضافة إلى فيلم «كريد» (Creed) (2015) للمخرج راين كوقلر، أن تجمع بين مختلف أنواع الصراعات الدرامية.

بناء السيناريو

تقوم أفلام الملاكمة أساساً على الصراع الدرامي الذي يحدد بدوره طريقة بناء السيناريو وأحداثه، وبالطبع فإن نوعية هذا الصراع تختلف من فيلم لآخر، فمثلاً قد يكون صراعاً عائلياً يتعلق بالزوجة أو العائلة نفسها، حيث يواجه الملاكم تحديات قبول عائلته أو عدم ذلك لما يقوم به، كما في فيلم (Cinderella Man) (2005) للمخرج رون هاوارد وبطولة راسل كرو ورينيه زيلوغر، فالفيلم الذي حاز على 3 جوائز من بينها جائزة جميعة نقاد السينما لأفضل ممثل مساعد، وجائزة معهد الفيلم الأسترالي لأفضل ممثل، يتناول حياة الملاكم جيمس جي باردوك الذي أبعدته الإصابة عن عالم الملاكمة، ليجد نفسه غير قادر على إعالة أسرته. وفي الوقت الذي سيطرت فيه حالة الكساد الاقتصادي على العالم في ثلاثينيات القرن الماضي، يجد باردوك نفسه مجبراً على العودة إلى الحلبة وسط تكهنات متابعي اللعبة بأنه سيكون خصماً سهلاً، إلا أنه يقاتل ليسد جوع أسرته، لذا يفشل خصومه في صده إلى أن وصل إلى نهائي منافسات الوزن الثقيل في الملاكمة، مدفوعاً بحب أسرته التي أعادته إلى قمة المجد.

رسالة مهمة

أهمية (Cinderella Man) تكمن في كونه فيلماً جاداً، يتضمن بعضاً من التهكم على الواقع، فضلاً عن أنه يتضمن رسالة مهمة تدور حول عدم الاستسلام لليأس، إلى جانب أن راسل كرو قدم فيه دوراً مهماً يختلف تماماً عن بقية أدواره، كما لعبت فيه الممثلة رينيه زيلويغر دوراً مؤثراً في شخصية الزوجة الحنون، ويمكن القول إن لرينيه الفضل الأكبر في إظهار روعة الفيلم الذي رشح لثلاث جوائر أوسكار لأفضل مكياج وأفضل مونتاج وأفضل ممثل مساعد «بول جياماتي» عن شخصية «جو غولد».

في المقابل، نجد أن الحنين للعائلة والصراع الذي يتعلق بذلك قد بدا واضحاً في فيلم (Southpaw) (2015) للمخرج أنطوان فوكوا، وبطولة جيك جيلنهال وريتشل ماك ادامز، وتدور أحداثه حول الملاكم بيلي هوب الذي يفقد زوجته بعد إصابتها بطلق ناري أمام عينه، فيشعر بالانهيار النفسي والبدني ويتجه إلى شرب الخمر والعقاقير، ثم يهمل منزله ومسيرته المهنية لينتهي الأمر بفقدانه لحضانة ابنته ووضعها تحت وصاية مركز رعاية الطفل، ولكنه يحاول جاهداً العودة إلى سابق عهده لاسترجاع ابنته من جديد.

الحنين للعائلة مكن المخرج انطوان فوكوا صاحب فيلم «يوم التدريب» (2001) من بناء الصراع الدرامي في الفيلم، مستخدماً في ذلك أسلوب «السبينس» أو التشويق، الذي ساعده في التنقل بسرعة وسلاسة بين مشاهد الفيلم، مصيباً بذلك المتفرج بتوتر دائم، حيث نجد أنه لا وقت طويلاً بين تحقيق هوب للنصر ومشهد مقتل زوجته وفقدانه لحضانه ابنته. لتثبت كافة مشاهد الفيلم قوة إخراج فوكوا وسلاسة السيناريو وبراعة المونتاج والموسيقى وواقعية تصوير مشاهد الملاكمة، بحيث يوضع المتفرج وسط الحلبة. ولا يمكن هنا إنكار براعة الممثل جيك جيلنهال في أداء دور الملاكم هوب، حيث أضاف من خلال هذا الفيلم دوراً جديداً على لائحته.

عرش الملاكمة

الملاكم الراحل محمد علي كلاي لم يكن ملهماً فقط على الحلبة، وإنما في السينما أيضاً، وقد يبرر ذلك كم الأفلام التي جسدت سيرته الذاتية، ولكن نوعية الأفلام التي جسدت سيرة كلاي بدت معتمدة على صراع الاستمرارية والبقاء، ويبرز ذلك في فيلم (Ali) (2001) للمخرج مايكل مان، وبطولة ويل سميث، ويحكي هذا الفيلم أسطورة كلاي خلال سنوات تربعه على عرش الملاكمة، والتي بدأت منذ عام 1964 بعد فوزه ببطولة العالم للوزن الثقيل، ثم سحب اللقب منه بسبب رفضه الالتحاق بالخدمة العسكرية في الجيش الأميركي أثناء حرب فيتنام اعتراضاً منه على الحرب عام 1967. في هذا الفيلم يحاول مايكل مان، أن يبين لنا طبيعة الصعوبات التي يواجهها الملاكم خاصة بعد أن يتمكن من إثبات ذاته على الساحة، وقدرته على تجاوز ذلك، ففي الفيلم ذاته يبين لنا أن كلاي عاد للملاكمة مجدداً في عام 1970 خلال مباراة وصفت بأنها «مباراة القرن» التي خاضها ضد جو فريزر حيث لم تسجل هزيمة لأي منهما في أي مباراة من قبل، وفي عام 1974 هزم محمد علي الملاكم فورمان ليستعيد بذلك عرش الملاكمة في الولايات المتحدة الأميركية والعالم بأسره. صراع الذات والاستمرارية كان واضحاً في كافة الأفلام التي انتجت عن الملاكم محمد علي كلاي، ومن بينها (Ali the Fighter) (1971) و(The Greatest) (1977) و(Facing Ali) (2009)، حيث اعتمدت كافة هذه الأفلام على ذات الصراع الدرامي، إلا أن الاختلاف فيما بينها كان يتحدد بطبيعة الممثل وطريقة أدائه، علماً بأن محمد علي كلاي مثل بشخصيته الحقيقية بعض هذه الأفلام مثل The Greatest.

حياة فقيرة

على الجانب الآخر، يتكرس هذا الصراع في فيلم (The Fighter) (2010) للمخرج ديفيد أو راسل، وبطولة كريستيان بيل ومارك والبرغ، ويتناول الفيلم قصة حياة الملاكم ميكي وارد الذي نشأ في أسرة فقيرة في نيويورك تعلق كل آمالها في نجاح أخيه الأكبر ديكي إكلوند في عالم الملاكمة للانتقال من تلك الحياة الفقيرة إلى أخرى غنية، ولكن ديكي يقع في العديد من المشاكل ويدمن المخدرات، ويحاول ميكي أن يحل مكان أخيه ويحقق حلم العائلة في ظل تشكيك أمه وأخواته البنات في قدراته على المنافسة، ولكن مع مساندة صديقته التي تقوم بدورها الممثلة ايمي آدامز يبدأ ميكي في استعادة ثقته بذاته وتحقيق حلمه. وقد رشح هذا الفيلم لسبع جوائز أوسكار، نال منها كريستيان بيل جائزة أفضل ممثل مساعد، وأيضًا جائزة أفضل ممثلة مساعدة للممثلة ميليسا ليو التي قامت بدور الأم. فيلم (Warrior) (2011) للمخرج جافين اوكونور، وبطولة جويل إجيرتون، توم هاردي ونيك نولتي، يأخذنا نحو نوع آخر من الصراع الدرامي والمتمثل في المراهنة ومحاولة كسب الأموال، وهي السمة الغالبة على معظم أفلام هوليوود، حيث تبين لنا أن الملاكم يجد نفسه عند نقطة ما مضطراً للعودة مجدداً إلى الحلبة من أجل كسب المال، كما في فيلم (Warrior) الذي يضطر فيه براندون كونلون – معلم الفيزياء – للعودة إلى الملاكمة مرة أخرى بعد تهديد البنك له بالاستيلاء على منزله إذا لم يسدد ما عليه من أموال، وبعد خوضه لعدد من المباريات قامت المدرسة بفصله، فلم يجد أمامه حل سوى المشاركة في بطولة الفنون القتالية (MMA)، ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام شقيقه الأصغر في المباراة النهائية، وهنا تكمن صعوبة الموقف، علماً بأن هذا الفيلم رشح لجائزة أوسكار واحدة فقط.

وحشية ومافيا

المخرج مارتن سكورسيزي أبرز هذا الصراع في فيلمه المعروف Raging Bull (1980) وهو من بطولة روبرت دي نيرو وحاز عن دوره فيه جائزة أوسكار أفضل ممثل، حيث يتناول فيه سيرة الملاكم جاك لاموتا الذي يعيش أجواء لعبة الملاكمة، بكل ما تتصف به من وحشية وصراعات تدخل فيها المراهنة، وتسلط المافيا وحالة الشك التي تتملك جاك حول زوجته وإمكانية خيانتها له، الأمر الذي ينعكس عليه في الحلبة،

وعند الحديث عن أفلام الملاكمة لا يمكن تجاهل فيلم كلينت ايستوود (million dollar baby) (2004) الذي يلعب بطولته كلينت إيستوود نفسه، وهيلاري سوانك، ومورغان فريمان. تدور قصته حول مدرب ملاكمة كبير السن غير مقدر يحاول مساعدة فتاة ملاكمة هاوية لتصبح محترفة، وقد استطاع أن يترجم هذا الفيلم الكثير من الصراعات الدرامية، الأمر الذي مكنه من المنافسة بقوة على جوائز الأوسكار بأن حاز على 4 منها جائزة أفضل فيلم.

6

ساعات يومياً كان يقضيها الممثل جيك جيلنهال في النادي الرياضي استعداداً لدوره في Southpaw

3

جوائز أوسكار ترشح لها فيلم Cinderella Man لأفضل مكياج وأفضل مونتاج وأفضل ممثل مساعد

30

مليون دولار بلغت تكلفة إنتاج فيلم Southpaw

102

مليون دولار حققها فيلم Ali في افتتاحيته بالولايات المتحدة عام 2001

7

جوائز أوسكار رشح لها فيلم The Fighter فاز باثنتين فقط هما أفضل ممثل مساعد وأفضل ممثلة مساعدة

100

مليون دولار بلغت إيرادات فيلم Million Dollar Baby في الولايات المتحدة الأميركية فقط